ولأجل توضيح ذلك نضرب المثال الآتي : لو رأينا قيام سيرة العقلاء على العمل بحجّية ظهور كلام المتكلّم والأخذ به ، وأردنا إثبات معاصرة هذه السيرة للمعصوم فيمكننا اتّباع الطريق التالي ، فنقول : من الضروري أن يكون لدى العقلاء وفي كلّ الأزمنة طريقة للتفهيم ، وبدون ذلك لا تستقيم حياتهم ، فإن كان الأخذ بالظهور هو الموجود في زمن المعصوم ثبت المطلوب ، وإن لم يكن هو السلوك المتّبع فلابدّ من وجود وسيلة أخرى للتفهيم وسلوك آخر يكون بديلاً عن العمل بالظهور ، ولو كان مثل هذا السلوك البديل موجوداً لسُجّل ونُقل إلينا باعتباره يمثِّل ظاهرة اجتماعية غريبة ؛ لأنّها خلاف المألوف لدى العقلاء فإنّهم يعملون عادةً بظهور الكلام ويرتّبون الأثر عليه . وحيث إنّه لم يُنقل مثل ذلك ، فإنّه يعني أن لا بديل يُعمل به آنذاك ، ويثبت عملهم بالمبدَل ، أي أنّ العقلاء في زمن الأئمّة ( عليهم السلام ) كانوا يعملون بظواهر الكلام ولم تكن لديهم وسيلة أخرى في التفهيم ، وبذلك تثبت معاصرة السيرة العقلائية بالعمل بالظهور للمعصوم .
إن قلت : لعلّ العمل بالظهور الموجود في عصر النصّ متعارف عليه لدى باقي أفراد المجتمع دون أصحاب الأئمّة ( عليهم السلام ) والمقرّبين منهم ، فربما كان لهم سلوك آخر ؟
قلت : لو كان لهم سلوك آخر لنُقل إلينا أيضاً باعتباره السلوك المرضيّ دون غيره ، وهو يمثِّل ظاهرة مهمّة تتوافر فيها الدواعي لنقلها من قبل الرواة ، وحيث إنّه لم يُنقل إلينا شيء من ذلك في قِبال سلوك المجتمع ، وكان سلوك المجتمع قائماً على العمل بالظهور كما أثبتناه أعلاه ، فإنّ هذا يعني انعقاد السيرة لدى كلّ طبقات المجتمع على العمل به .
نعم ، تبقى مسألة ثانية وهي : هل صدر ردع من الشارع عن العمل بالظهور أم لم يصدر ؟ وهو ما سنبحثه في المقام الثاني من البحث بعد
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 269
مساهمون: علاء السالم
ص٢٦٩