توضيح ذلك : إنّ المتشرّعة حينما يسلكون سلوكاً معيّناً ، ففي سلوكهم ثلاثة احتمالات :
الأوّل : أن يكون سلوكهم مأخوذاً من الشارع ، وهو مقتضى سلوكهم بما هم متشرّعة .
الثاني : أن يكون سلوكهم من قبل أنفسهم من دون الرجوع إلى المعصوم والاستعلام منه ، إمّا عمداً أو غفلةً عن الاستعلام .
الثالث : أن يكون سلوكهم بعد الاستعلام من الشارع ولكن فهموا الحكم الذي أجاب به المعصوم خطأً .
وادّعاء كاشفيّة سيرة المتشرّعة عن الدليل الشرعي يتمّ بناءً على الاحتمال الأوّل دون الاحتمالين الآخرين ، ومن هنا يُثار هذا التساؤل : ما المعيّن للاحتمال الأوّل في قِبال الاحتمالين الآخرين ؟
والجواب : إنّ المعيّن له هو ضعف الاحتمالين الثاني والثالث . أمّا الاحتمال الثاني ؛ فلأنّ افتراض تعمّد المتشرّعة عن عدم الاستعلام من الشارع ممتنع ، حيث إنّ المفروض أنّهم متشرّعة وفيهم الفقهاء والرواة الثقات والعدول أمثال زرارة ومحمّد بن مسلم وغيرهم من أصحاب الأئمّة ( عليهم السلام ) ، فكيف يمكن ادّعاء أنّ هؤلاء كلّهم يتّبعون أهواءهم ويعملون بسيرة من عند أنفسهم من دون تلقّيها من الشارع ؟
وأمّا ادّعاء غفلتهم عن الاستعلام من المعصوم فهو ضعيف بحساب الاحتمال ، ببيان : أنّ السيرة كلّما كانت عامّة وشاملة لعدد أكبر من المتشرّعة كان احتمال موافقتها للدليل الشرعي أقوى ، حيث إنّ سلوك متشرّع واحد يمثِّل كسراً من احتمال اليقين ، وبسلوك متشرّع آخر بنفس السلوك السابق يرتفع احتمال الموافقة ويضعف احتمال المخالفة ، وهكذا بسلوك متشرّع
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 251
مساهمون: علاء السالم
ص٢٥١