على القدم في الوضوء ببعض الكفّ ، فإنّه سلوك شائع بين العقلاء في عصر المعصوم مع أنّ مثل هذا السلوك لا يقتضيه الطبع العقلائي ، حيث إنّهم لو تركوا وشأنهم فلربما كان لهم عمل آخر كغسل الرجلين - مثلاً - بدلاً من المسح أو المسح بكامل اليد وعدم الاكتفاء ببعضها ، ولكنّا مع هذا نجد أنّ المسح ببعض الكفّ سلوك عامّ بين المتديّنين في عصر النصّ وحضور المعصوم ، وهو ما لا يمكن تفسيره إلّا بالقول بأنّ سلوكهم هذا مستقى من وجود تشريع التزموا به وصارت سيرتهم قائمة عليه ، ومثل هذه السيرة هي المسمّاة بالسيرة المتشرّعية .
بكلمة واحدة : إنّ سيرة المتشرّعة هي سلوك يصدر من العقلاء بما هم متشرّعة وأهل دين لا بما هم عقلاء ، وسيرة العقلاء هي سلوك عقلائي يصدر من العقلاء بما هم عقلاء .
ومن هنا ينبثق التساؤل التالي : ما هو الفرق بين السيرتين ؟ والجواب عنه هو مادّة بحثنا الآتي .
الفرق بين السيرتين
ابتداءً نعيد طرح التساؤل الذي أثرناه في نهاية البحث السابق ، فنقول : من المعلوم أنّ سيرة المتشرّعة وسيرة العقلاء ليستا هما الحجّة بنفسيهما ، وإنّما حجّتيهما تكمن في كشفهما عن الدليل الشرعي ، وبعد كونهما كذلك قد يُقال بعدم وجود فرق بين السيرتين ؟
وإجابةً على ذلك نقول : هناك فرق بين السيرتين يتلخّص في أنّ السيرة العقلائية لا تكشف عن الدليل الشرعي مباشرةً ، وإنّما تكشف عن إمضاء الشارع المستفاد من سكوته ، حيث إنّ المفروض أنّ السيرة معاصرة للمعصوم ، فلو لم تكن مرضيّة عنده لردع عنها ، فمن سكوته وعدم ردعه