الجواب : لم يدّعِ أحد أنّ مستند المجمعين لابدّ أن يكون نصّاً روائياً ليشكل عليه بما ذكره الأصفهاني ، بل نقول : إنّ المستند هو الارتكاز الشرعي الذي يعتبر أقوى من الرواية . فكثيراً ما تكون سيرة المتشرّعة الحلقة الوسيطة بين الإجماع والدليل الشرعي ، بمعنى أنّ اتّفاق المجمعين على فتوى معيّنة لا يوجد فيها نصّ روائيّ يكشف بنحو قطعيّ على أنّهم استندوا إلى سلوك وارتكاز من قبل المتشرّعين قادهم إلى الإجماع على تلك الفتوى .
والشاهد على ذلك : أنّهم لو كانوا قد استندوا في إجماعهم إلى رواية لنقلوها إلينا ، حيث إنّهم نقلوا كلّ مستنداتهم وأدلّتهم على فتاواهم . فمن عدم ذكرهم لأدلّتهم في الموارد التي ادّعوا الإجماع فيها نستكشف أنّهم لم يستندوا إلى رواية وإنّما استندوا إلى ارتكاز وسيرة متشرّعية ، وهي غير قابلة للنقل لأنّه عمل يمارسه المتشرّعة .
ومنه يفهم أنّ الإجماع الذي تكون له قيمة هو الإجماع الذي لا مدرك له ؛ إذ يكون عدم المدرك شاهداً قويّاً على استناد المجمعين إلى الارتكاز الشرعي الذي يكشف بدوره عن الدليل الشرعي ، وكذلك يفهم ضرورة الاهتمام بكلمات المتقدِّمين من فقهائنا ، لأنّ الأحكام الشرعية لم تصل كلّها عن طريق النصوص وإنّما وصلت في بعض الأحيان عن طريق فتاوى المتقدِّمين التي يكون منشؤها سيرة المتشرّعة ، فإنّ من غير الخفيّ أنّ بعض الأحكام لم يتسنّ للأئمّة ( عليهم السلام ) الإعلان عنها نتيجة لظروف الاضطهاد التي كانوا قد عاشوها في ظلّ حكّام الجور ، فكانوا يبثّونها في شيعتهم بنحو الارتكاز القويّ ، الذي قدّر له أن يكون منشأً لإفتاء الفقهاء في عصر الغيبة الصغرى وما بعدها إلى زمن شيخ الطائفة .
فاتّضح من خلال ما بيّناه أنّ سيرة المتشرّعة كثيراً ما تتوسّط بين الإجماع
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 254
مساهمون: علاء السالم
ص٢٥٤