نستكشف إمضاءه لها على ضوء الأساس العقلي أو الاستظهاري ، وقد تقدّم ذلك في بحث دلالة السكوت والتقرير .
وأمّا سيرة المتشرّعة فإنّها في كشفها عن الدليل الشرعي لا تحتاج إلى توسّط السكوت الدالّ على الإمضاء ، وإنّما تكشف عن الدليل مباشرة ، وبالتالي لا تتوقّف حجّيتها على إمضاء المعصوم .
بعبارة ثانية : إنّ سيرة المتشرّعة معلولة للدليل الشرعي ، بمعنى أنّه لو لم يكن هناك دليل شرعيّ لما انعقدت سيرة المتشرّعة عن القيام بمثل هذا الفعل ( مسح القدم في الوضوء ببعض الكفّ في المثال المتقدِّم ) مع أنّه على خلاف الطبع العقلائي . وهذا هو معنى قول السيّد الشهيد ( قدس سره ) سابقاً في بيان الطريق الثالث من طرق الإثبات الوجداني - أي سيرة المتشرّعة - بأنّها : « آثار محسوسة تكشف على سبيل الإنّ عن الدليل الشرعي » ، أي أنّ السيرة معلول يكشف عن علّته وهو الدليل الشرعي .
وهذا بخلاف سيرة العقلاء فإنّها ليست معلولة للدليل الشرعي ، وإنّما هي معلولة لطبع العقلاء ، ودلالتها على الحكم الشرعي تتوقّف على معاصرة المعصوم لها وسكوته عنها ، فإنّ سكوته يكون دليلاً على الإمضاء ، وبضمّ السكوت إلى السيرة يتمّ كشف السيرة عن الدليل الشرعي .
كاشفيّة سيرة المتشرّعة عن الدليل
قلنا إنّ سيرة المتشرّعة تكشف عن الحكم الشرعي مباشرة ، وبذلك تفترق عن سيرة العقلاء ، ولكن يمكن لقائل أن يقول : ليس الأمر كذلك ؛ حيث إنّ في تفسير سلوك المتشرّعة احتمالات ثلاثة ، وكاشفيّة السيرة عن الحكم الشرعي مبنيّ على أحد هذه الاحتمالات .