أكثر ابتلاءً كان احتمال ورود النصّ بشأنها أكبر ، وبالتالي تكون القيمة الاحتمالية لمفردات الإجماع عالية ، بخلاف ما لو كانت المسألة شاذّة أو نادرة - كما في مسائل الخُنثى - فإنّ القيمة الاحتمالية لمفردات الإجماع فيها ضعيفة .
ولا بأس بتطبيق الفكرة في العامل الثالث على مثال فقهيّ ؛ إذ لا يخفى أنّ مسألة مسح الرأس والقدمين في الوضوء ممّا يعمّ بها الابتلاء ، فلو فرضنا أنّ الغسل جائز لانتشر عند الشيعة الإمامية بدلاً من المسح ؛ وذلك لتوافر الدواعي التي تقتضي انتشاره ، حيث إنّ أغلب المسلمين في ذلك الوقت كانوا على غير مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فلو لم يكن المسح أمراً إلزاميّاً وفق مدرسة أهل البيت لانتشر الحكم المقابل له وهو الغسل ، ولكنّا نجد إصراراً من أتباع هذه المدرسة على العمل بالمسح في الوضوء ، بل إنّ إجماع فقهاء الطائفة عليه ، مع أنّنا لو رجعنا إلى الأدلّة التي بأيدينا لم نجد دليلاً واضحاً يدلّ على وجوبه . نعم ، توجد وضوءات بيانية ولكنّها لا تدلّ على الوجوب باعتبار أنّ الوضوء البياني فعل ، والفعل لا يدلّ على الوجوب كما تقدّم .
وعليه ، فلابدّ أن يكون هذا الإصرار والإجماع على المسح إنّما هو لأجل دليل تلقّوه بالقبول ، خصوصاً وأنّ المسألة ممّا تعمّ بها البلوى .
وكذلك في مسألة المسح على الخفّ ، فلو كان جائزاً لشاع بين الإمامية بعد توافر الداعي لانتشاره ، وذلك لقول أبناء العامّة به ، ولكنّا نجد إجماعاً بين فقهائنا على وجوب المسح على القدمين مع عدم وجود دليل سوى الإجماع ، فإنّه يكشف عندئذ عن أنّ المجمعين اعتمدوا على دليل وصلهم من الشارع أو ارتكاز تسالم عليه المتشرّعة ، وبالتالي يكون الإجماع كاشفاً عن الدليل الشرعي ، وتكون القيمة الاحتمالية لمفرداته عالية ، وهو ما يعني تأثّر حساب الاحتمال في الإجماع بدرجة ابتلاء الناس بالمسألة المجمع عليها .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 242
مساهمون: علاء السالم
ص٢٤٢