إذا اتّضحت هذه الفكرة نأتي إلى تطبيقها على محلّ الكلام ، فنقول : في التواتر عادةً ما تكون النكتة متعدّدة ؛ لاختلاف ظروف المخبرين ونواياهم ومصالحهم ؛ فإنّ لكلّ مخبر ظروفه الخاصّة به ، فيكون اشتراكهم جميعاً في الخطأ في الإخبار الذي نقلوه أبعد بحساب الاحتمال من حالة وجود نكتة واحدة دعتهم إلى ذلك .
وأمّا في الإجماع ، فإنّ اجتماع مجموعة من العلماء على إخبار وفتوى معيّنة لو كان خاطئاً فإنّه يحتمل نشؤوه من اجتماعهم على قاعدة معيّنة أو رواية واحدة ، فالنكتة المشتركة موجودة إذاً وهي عامل مضعّف لاحتمال الصدق .
ولنمثِّل لذلك بمثال فقهيّ ، فنقول : لو دخل إنسان إلى المسجد لأجل أداء الصلاة ورأى نجاسة على فراش المسجد ، فحيث إنّ وجوب الإزالة فوريّ فينبغي له إزالتها ، ولكنّه لو خالف وصلّى فهل تكون صلاته صحيحة ؟
لعلّ الفقهاء إلى ما قبل زمن صاحب الكفاية ( رحمه الله ) كانوا يقولون ببطلان الصلاة بالإجماع ؛ لأنّه مأمور بالإزالة ، وبعد الأمر بها تقع صلاته فاسدة ، لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، والنهي في العبادة يقتضي الفساد .
ولكن منذ زمن الميرزا النائيني ( رحمه الله ) وُجدت فكرة الترتّب التي خدمت علم الفقه كثيراً ، وبها يمكننا تصحيح الصلاة ؛ إذ يمكن للشارع أن يقول للمكلّف : أزل النجاسة فإن لم تزل فصلِّ . وأمّا الإجماع المدّعى على البطلان - وهو محلّ الشاهد في هذا المثال - فلعلّ إجماعهم كان ناشئاً من نكتة واحدة مشتركة بينهم ، وهي أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، وهذه النكتة المشتركة تعتبر عاملاً مضعفاً لقيمة الاحتمال في مفردات الإجماع .
فتلخّص ممّا تقدّم : أنّ نموّ الاحتمال في مفردات التواتر أسرع منه في
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 235
مساهمون: علاء السالم
ص٢٣٥