التقريب الثاني : أنّ المعصوم شارع وهادف ، حيث إنّ المعصوم له عدّة حيثيات أحدها أنّه مكلّف كما تقدّم في التقريب الأوّل ، وثانيها أنّه حافظ لأغراض الشريعة بما هو شارع ، فإنّ للشريعة أغراضاً عديدة تريد الوصول إليها من خلال أحكامها ، والمسؤول عن حفظ تلك الأغراض هو المعصوم .
فإذا نظرنا إلى المعصوم من هذه الحيثية ورأينا أنّه قد واجه سلوكاً ولم ينهَ عنه - مع فرض كونه على خلاف الشرع - فإنّ ذلك يعني أنّه قد فوّت غرضه بما هو شارع ، ونقض الغرض من العاقل الملتفت مستحيل ، فمن عدم نهيه نستكشف عقلاً كون السلوك ممضى عنده .
إن قلت : كيف يقال إنّ نقض الغرض محال مع أنّنا نجد بالوجدان إمكان نقضه .
قلت : إنّ استحالة نقض الغرض هي بمعنى قبح صدوره من الحكيم ، لا أنّه مستحيل التحقّق والإيجاد ذاتاً .
بعبارة أخرى : إنّ هذه الاستحالة إنّما هي بلحاظ العقل العملي لا العقل النظري ، كاستحالة الظلم على الله تعالى فإنّها ليست بمعنى عدم قدرته على الظلم ، وإنّما بمعنى أنّ الذات المقدّسة لا يصدر منها ظلم لأنّه تعالى حكيم ولا يصدر منه ما لا يليق بساحته المقدّسة .
فالاستحالة التي تقال بلحاظ العقل العملي غير الاستحالة التي تقال بلحاظ العقل النظري ، فإنّ المستحيل في الأولى ممكن ذاتاً ولكنّه لا يقع لأنّه ينافي الحكمة ولذا يعبِّر عنه بالقبيح ، بخلاف المستحيل في الثانية فإنّه غير ممكن ذاتاً كاجتماع النقيضين ، ونقض الغرض من قبيل القبيح ، لا المستحيل ذاتاً .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 185
مساهمون: علاء السالم
ص١٨٥