والجواب : إنّه لابدّ من وجود قرينة تدلّ على المعنى المراد وإلّا لبقي الاشتراك اللفظيّ حاكماً ولما استطعنا الأخذ بهذا المعنى دون غيره ، فعلى المولى إذا أراد أن يستخدم مادّة « الأمر » في معنى « الطلب » أن ينصب قرينة على إرادته على طريقة تعدّد الدالّ والمدلول التي أشرنا إليها سابقاً .
الطلب وجوبي واستحبابي
ثمّ إنّ الطلب وحسب استخدامه اللغوي إمّا وجوبيّ أو استحبابيّ ، ومن هنا نتساءل من جديد : لو حصل لدينا علم بأنّ المولى قد استخدم مادّة « الأمر » في معنى الطلب ، فمن أين يحصل لنا العلم بأنّه أراد الطلب الوجوبي أو الطلب الاستحبابي ؟
وهنا لابدّ أن نبحث أوّلاً عن أصل وضع مادّة الأمر للطلب ، فهل وضعها الواضع ابتداءً للطلب الوجوبي ، أم وضعها للطلب الأعمّ من الوجوبي والاستحبابي ؟ فإذا ثبت أنّه وضعها للطلب الوجوبي فقط فإنّ مادّة « الأمر » ستكون ظاهرة في الطلب الوجوبي ، ولو أراد المولى استعمال الأمر في الطلب الاستحبابي فسيكون هذا الاستعمال استعمالاً مجازياً ؛ لأنّه استخدام اللفظ في غير ما وضع له من معنى ، وعليه أن ينصب قرينة على إرادة المعنى الاستحبابي وإلّا انصرف الذهن إلى الطلب الوجوبي مباشرة .
وأمّا إذا لم يثبت وضع مادّة « الأمر » للطلب الوجوبي خاصّة وإنّما للأعمّ من الطلب الوجوبي والاستحبابي ، فسيكون استخدامها في كلا المعنيين استخداماً حقيقياً لا مجازياً ، ولابدّ حينئذ من قرينة لكي نعيّن المعنى المراد بخصوصه وأنّه الطلب الوجوبي أم الاستحبابي ، وبدون القرينة يبقى اللفظ مشتركاً بخلاف الحالة الأولى التي كان اللفظ فيها ينصرف إلى المعنى الوجوبي إذا خلا الكلام عن القرينة .