الثاني : أنّ للطلب التشريعي مصاديق متعدّدة ، فتارةً يصدر من العالي إلى الداني كما في طلب السيّد من عبده ، ويسمّى بالأمر ، وأخرى يصدر من المتساويين فلا يوجد علوّ أو دنوّ بين الطالب والمطلوب منه ، ويسمّى بالالتماس ، وثالثة يصدر الطلب من الداني إلى العالي ، ويسمّى بالدعاء .
فالأمر يختصّ بالطلب التشريعي من العالي إلى الداني فقط ، سواء كان هذا العالي عالياً في الحقيقة والواقع ونفس الأمر كما في المولى سبحانه وتعالى ، أو كان متظاهراً بالعلو وقد أوجب لنفسه الطاعة بسبب من الأسباب كما في استعلاء بعض المتساويين على أمثالهم ، بل واستعلاء بعض من هو أدنى على من هو أعلى ، فلو وجدنا شخصاً يأمر شخصاً مساوياً له أو من هو أعلى منه لما اعتبرنا هذا العمل عقلائياً صحيحاً .
وعلى كلّ حال ، فمن مجموع هذين الوجهين يتبيّن لنا أنّ « الأمر » أخصّ من « الطلب » ولا يمكن أن يكونا مترادفين .
معان أخرى لمادّة الأمر
قلنا إنّ مادّة الأمر تدلّ على الطلب بالوضع ، غير أنّهم ذكروا للأمر معانيَ أخرى من قبيل :
1 - الشيء ، كما في « رأيت أمراً عجباً » أي رأيت شيئاً عجباً .
2 - الغرض ، كما في « جئت لأمر مهمّ » أي جئت لغرض مهم .
3 - الحادثة ، كما في قولهم « أمرٌ دُبِّر بليل » أي حادث دبِّر بليل .
ثمّ بحثوا في أنّ هذه المعاني هل تعود لمعنى واحد ، أم لا ؟ إلّا أنّ القدر المتيقّن أنّ للأمر معنيين بنحو الاشتراك اللفظيّ : الطلب والشيء ، والشاهد على ذلك هو اختلاف جمع « أمر » فتارةً يجمع على وزن « أوامر » ، وأخرى على وزن « أمور » ، فكيف يتمّ لنا - والحال هذه - تعيين المعنى الذي نريده والذي يهمّنا في البحث الأصولي أي معنى « الطلب » دون غيره ؟