بعبارة أخرى : إنّ التبادر سيكون سبباً للعلم بالوضع ، والعلم بالوضع سيقودنا إلى المعنى الحقيقي ، غير أنّ التبادر وحصول المعنى في ذهن الإنسان لا يحصل إلّا إذا كان الإنسان عالماً من قبل بوضع اللفظ لذلك المعنى . والنتيجة : أنّ التبادر لا يحصل إلّا إذا علم الإنسان بالوضع ، ونحن نريد أن نثبت أنّ الإنسان يحصل له العلم بالوضع من خلال التبادر ، أي أنّ التبادر متوقّف على العلم بالوضع ، والعلم بالوضع متوقّف على التبادر ، وهو الدور المحال .
أجوبة إشكال الدور
غير أنّ إشكال الدور هذا غير تامّ ، ويمكن الإجابة عليه بأجوبة ثلاثة :
الأوّل : العلم ارتكازيّ وفعليّ تفصيلي .
توضيحه : يمكن تقسيم العلم إلى قسمين :
الأوّل : العلم الارتكازي ، وهو العلم المغفول عنه وغير الملتفت إليه أي هو العلم الراسخ في النفس الذي يجتمع مع الغفلة ولا يلتفت إليه إلّا بمؤونة وتنبيه . مثاله : علم الصائم بحاله في شهر رمضان المبارك ، فقد ينوي الصائم صيام شهر رمضان كلّه ، ولكنّه قد يغفل عن تلك النيّة في يوم من أيّام هذا الشهر ، فإذا ما سئل عن صيامه ، قال : إنّي صائم ، وما ذلك إلّا لوجود علم ارتكازيّ عنده بأنّه صائم ولو كان غافلاً عنه .
وهكذا في النيّة للغسل الواجب أو المستحبّ التي توجد على نحو علم ارتكازيّ عند الإنسان على طول فترة غسله لا على نحو علم تفصيليّ ؛ إذ يصعب - بل قد يستحيل - أن يكون في كلّ آن ملتفتاً إلى نيّة غسله ، وعلى هذا الأساس لو سئل مثل هذا الإنسان وفي أيّ مرحلة من مراحل غسله :