الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدّمة
والدلالةُ التصوّريةُ هي في حقيقتها علاقةٌ سببيةٌ بين تصوّرِ اللفظِ وتصوّرِ المعنى . ولمّا كانت السببيةُ بين شيئين لا تحصلُ بدونِ مبرّرٍ ، اتّجه البحثُ إلى تبريرها ، ومن هنا نشأَتْ عدّةُ احتمالات :
الأوّلُ : احتمالُ السببيةِ الذاتيةِ بأن يكونَ اللفظُ بذاتِه دالّاً على المعنى وسبباً لإحضارِ صورتِه .
ولا شكّ في سقوطِ هذا الاحتمالِ ؛ لما هو معروفٌ بالخبرةِ والملاحظةِ مِن عدمِ وجودِ أيّةِ دلالةٍ للّفظِ لدى الإنسانِ قبلَ الاكتسابِ والتعلّم .
الثاني : افتراضُ أنّ السببيةَ المذكورةَ نشأَتْ من وضعِ الواضعِ اللفظَ للمعنى ، والوضعُ نوعُ اعتبارٍ يجعلُه الواضعُ وإن اختلفَ المحقّقون في نوعيّةِ المعتبرِ ، فهناك من قال : إنّه اعتبارُ سببيةِ اللفظِ لتصوّرِ المعنى ، ومَن قال : إنّه اعتبارُ كونِ اللفظِ أداةً لتفهيمِ المعنى ، ومن قال : إنّه اعتبارُ كونِ اللفظِ على المعنى ، كما توضعُ الأعمدةُ على رؤوسِ الفراسخ .
ويردُ على هذا المسلكِ بكلِّ محتملاتِه : أنّ سببيةَ اللفظِ لتصوّرِ المعنى سببيةٌ واقعيةٌ بعد الوضعِ ، ومجرّدَ اعتبارِ كونِ شيءٍ سبباً