وجوابه : إنّ هذا التنزيل وهذا الجعل إنّما هو في عالم الاعتبارات والأحكام الشرعية ولا مانع منه ؛ فمن حقّ الشارع - باعتباره المرتّب لهذه الاعتبارات وهذه الأحكام والذي يعلم وجود الملاكات هنا وعدم وجودها هناك - أن يجعل ما يشاء وأن يوسّع أو يضيّق الأحكام وفق المصالح والمفاسد التي يعلمها ، فبينما نراه يضيّق من دائرة حرمة الربا في مثل قوله ( عليه السلام ) : « لا ربا بين الوالد وولده » ( 1 ) ، نراه يوسّع من دائرة حكم الطهارة فيجعلها شرطاً للطواف بالبيت من خلال تنزيله للطواف منزلة الصلاة ، ولمّا كانت الصلاة مشروطة بالطهارة لقوله ( صلى الله عليه وآله ) : « لا صلاة إلاّ بطهور » ( 2 ) ، يكون الطواف مشروطاً بها أيضاً . وهكذا في مورد الأمارة فهي كشف ناقص ولكن من حقّ الشارع أن ينزّلها منزلة الكشف التامّ حينما يرى المصلحة في ذلك ، ولكن هذا التنزيل لا يمكن الأخذ به ما لم تكن هناك قرينة دالّة عليه . ولعلّ من المفيد هنا أن نتذكّر قول السيّد الخوئي ( قدس سره ) - المتقدّم في بحث : مقدار ما يثبت بالأدلّة المحرزة - الذي بيّن فيه أنّ دليل حجّية الأمارة بنفسه لا يدلّ على حجّية الأمارة في إثبات المدلول الالتزامي لها ، وإنّما يثبت مدلولها المطابقي فقط ، ولا بدّ من دليل أو قرينة لإثبات المدلول الالتزامي لها . وشبيه ذلك يجري في المقام حيث يدّعي منكرو قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي بأنّ دليل حجّية الأمارة يثبت لنا قيامها مقام القطع الطريقي
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 240
مساهمون: علاء السالم
ص٢٤٠
هامش
( 1 ) الكافي : ج 5 ، ص 147 ، ح 1 ؛ الفقيه : ج 3 ، ص 176 ، ح 791 ؛ وسائل الشيعة : ج 18 ، ص 135 ، أبواب الربا ، ب 7 ، ح 1 ، وفيها : « ليس بين الرجل وولده ربا » .
( 2 ) التهذيب : ج 1 ، ص 49 ، ح 144 ؛ وسائل الشيعة : ج 1 ، ص 315 ، أبواب الخلوة ، ب 9 ، ح 1 .