ب - البناء على نظرية قبح العقاب بلا بيان
عرفنا أنّ الأصل الأوّلي بناءً على هذه النظرية هو « البراءة العقلية » وأنّ كلّ تكليفٍ محتمل غيرُ منجّز ، فالمعذّرية - بناءً على هذه النظرية - تشمل كلّ احتمال ولا ترتفع البراءة العقلية ولا يتنجّز الاحتمال إلّا بشرط ورود البيان والقطع بتنجيزه . فلو وجد الفقيه أمارة منجّزة للاحتمال ولكنّه شكّ في حجّيتها ولم يقطع بها ، فهل تكون مثل هذه الأمارة محقّقة لشرط رفع اليد عن البراءة العقلية ؟
بعبارة أخرى : هل هذه الأمارة توجِد القطع والبيان على تنجّز الاحتمال ، فتجعل التكليف داخلاً تحت قاعدة « حسن العقاب مع البيان » ؟
والجواب بالنفي من دون إشكال ؛ إذ كيف يعقل أن يولّد الشكّ في حجّية الأمارة القطع بها وكونها حجّة على تنجّز الاحتمال ، وإذا لم يتحقّق القطع بالأمارة المنجّزة للتكليف والمثبتة له تبقى أصالة البراءة العقلية على حالها ولا نرفع اليد عنها ، ويكون وجود الأمارة المشكوك في حجّيتها وعدم وجودها على حدّ سواء .
مثال آخر : لو شككنا في أنّ الماء الموجود أمامنا طاهر أو نجس ؟ فإنّ أصالة الطهارة تجعلنا نحكم بطهارة الماء بحكم قول الشارع : « كلّ شيء لك طاهر حتى تعلم أنّه نجس » . ولكن لو دخل الشخص « غير الثقة » وأخبرنا بأنّ الماء نجس وليس بطاهر ، فما العمل ؟
في هذه الحالة نتساءل : هل جعل الشارع الحجّية لخبر « غير الثقة » ؟ ولأنّنا نشكّ في جعل مثل هذه الحجّية ، فإنّنا سوف نتعامل مع هذه الأمارة المشكوكة تماماً كما لو أنّنا قطعنا بعدمها ، فلا نرتّب أيّ أثر عليها ، ونعود إلى