الصحيح هو : أنّ هذه الحالة أيضاً داخلة في تلك الحالات ، فعندما يحكم الشارع لا تبقى معه حاجة إلى حكم العقل لإثبات أصل المنجّزية ، فهو مقدّم على حكم العقل غير القطعيّ . نعم ، قد يكون لحكم العقل دور في اشتداد المنجّزية وتأكيدها كما هو الأمر في حالتنا هذه ، فرفع اليد عن أصالة الاحتياط العقلي يمكن أن يكون بالحكم المنافي من قِبل الشارع وبالحكم المطابق أيضاً ، لتحقّق ما هو مقدّم عليه . الحالة الثالثة : وهي الحالة التي لا يتوافر فيها للفقيه دليل محرز قطعيّ على نفي التكليف المحتمل الوجود كما في الحالة الأولى ، ولا على إثباته كما في الحالة الثانية ، بل يحصل لديه قطع بحكم ظاهريّ مرخّص في ترك التحفّظ تجاه ذلك الحكم المحتمل . وفي هذه الحالة يأخذ الفقيه - أيضاً - بهذا الترخيص الظاهريّ ويرفع يده عن أصالة الاشتغال ؛ لأنّ حكم العقل بتنجيز الاحتمالات معلّق ومقيّد على عدم ثبوت إذن من الشارع من خلال الترخيص الظاهريّ على الخلاف ، فمع ورود هذا الترخيص وثبوته يتحقّق القيد ويرتفع موضوع أصالة الاحتياط من رأس - فهي سالبة بانتفاء الموضوع ( 1 ) - ويرفع الفقيه يده عن هذا الأصل ويرخّص بترك التحفّظ ولا تبقى منجّزية للاحتمال . ثمّ إنّ هذا الترخيص الظاهريّ المقطوع به ( 2 ) يمكن أن يثبت من خلال طريقين :
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 183
مساهمون: علاء السالم
ص١٨٣
هامش
( 1 ) وتشبه هذه الحالة الحالة الأولى من حيث ارتفاع موضوع أصالة الاحتياط .
( 2 ) إذ لابدّ من حصول القطع بمثل هذه التراخيص ، ولا يكفي قيام خبر الثقة على حجّية خبر الثقة لحصول الدور والمصادرة حينئذ ، لأنّنا في البدء نتساءل : هل يمكن الاعتماد على خبر الثقة ؟ أو هل هو حجّة ؟ فلو كان الجواب بالايجاب من خلال خبر الثقة أيضاً من دون أن يحصل لنا القطع والاطمئنان بذلك من طريق آخر ، لكان
معنى ذلك أنّنا اعتمدنا في إثبات خبر الثقة على خبر الثقة ، وهذا هو الدور الباطل .