التجرّي
إذا قطعَ المكلّفُ بوجوبٍ أو تحريمٍ فخالفهُ وكان التكليفُ ثابتاً في الواقعِ اعتُبر عاصياً ، وأمّا إذا قطعَ بالتكليفِ وخالفهُ ولم يكن التكليفُ ثابتاً واقعاً سُمِّيَ متجرّياً ، وقد وقع البحثُ في أنّه هل يُدانُ مثلُ هذا المكلّفِ المتجرّي بحكمِ العقلِ ويستحقُّ العقابَ كالعاصي أو لا ؟
ومرّةً أخرى يجبُ أن نرجعَ إلى حقِّ الطاعةِ الذي تمثُّلُه مولويةُ المولى لتحدّدَ موضوعَه ، فهل موضوعُه هو التكليفُ المنكشفُ للمكلّفِ ، أو مجرّدُ الانكشافِ ولو لم يكن مصيباً ؟ بمعنى أنّ حقَّ المولى على الإنسانِ هل في أن يطيعَه في تكاليفِه التي انكشفَت لديه ، أو في كلِّ ما يتراءَى له من تكاليفِه ، سواءً كان هناك تكليفٌ حقّاً أو لا ؟
فعلى الأوّلِ : لا يكونُ المكلّفُ المتجرّي قد أخلَّ بحقِّ الطاعةِ ؛ إذ لا تكليفَ . وعلى الثاني : يكونُ قد أخلَّ به فيستحقُّ العقابَ .
والصحيحُ هو الثاني لأنّ حقَّ الطاعةِ ينشأُ من لزومِ احترامِ المولى عقلاً ورعايةِ حرمتِه ، ولا شكَّ في أنّه من الناحيةِ الأحتراميةِ ورعايةِ الحرمةِ لا فرقَ بين التحدّي الذي يقعُ من العاصي ، والتحدّي الذي يقعُ من المتجرّي ، فالمتجرّي إذاً يستحقُّ العقابَ كالعاصي .