يشرب الخمر ولم يرتكب ما نُهي عنه واقعاً ، فهو ليس مداناً ولا يستحقّ العقاب .
ومن الواضح أنّ هذا الرأي ينطلق من كون الأحكام الشرعية تابعة لملاكاتها - أي : للمصالح والمفاسد الواقعية - وأنّ الاعتقاد وحده لا تصدر عنه مصلحة أو مفسدة واقعية ، فالثوب - مثلاً - لا يحترق إلّا إذا مسّته نار حقيقية لا ما نعتقد بأنّها نار ، وهكذا في فعل المتجرّي - في مثالنا - فإنّ الأثر والمفسدة الواقعية إنّما تترتّب على الخمر الواقعيّ لا ما يعتقده المتجرّي خمراً ، فمن شرب ماءً بعنوان أنّه خمر فليس في شرب الماء مفسدة واقعية لكي يحكم العقل بقبح الشرب وباستحقاق العقوبة بالتبع .
بعبارة أخرى : إنّ المدار في هذا الجواب هو حسن وقبح الفعل ذاته وهذا ما يُطلق عليه ب « الحسن والقبح الفعلي » . فمتى ما كان الفعل حسناً استحقّ فاعله الثواب ، ومتى ما كان الفعل قبيحاً استحقّ فاعله العقاب ، ولهذا افترق العاصي عن المتجرّي ؛ لأنّ في فعل العاصي مفسدة واقعية استحقّ العقاب عليها ، وأمّا في فعل المتجرّي فلا وجود لتلك المفسدة لكي يستحقّ العقاب عليها .
الجواب الثاني : ويتبنّى أصحابه استحقاق المتجرّي للعقاب كالعاصي لأنّه إنّما فعل فعلته تلك لسوء نيّته وخبث سريرته فاستحقّ العقاب على هذا ، فالمدار في حكم العقل في الحسن والقبح - وبالتالي في استحقاق الثواب والعقاب - هو شخص الفاعل ذاته لا الفعل ، وهذا ما يطلق عليه ب « الحسن والقبح الفاعلي » . فمتى ما انطلق الفاعل في فعله من نيّة حسنة وسريرة صالحة استحقّ الثواب وإلّا استحقّ العقاب ، ولذلك لم يفترق المتجرّي عن العاصي في استحقاق العقاب لسوء نيّتهما وخبث سريرتهما معاً .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 145
مساهمون: علاء السالم
ص١٤٥