الجواب المختار : والتحقيق في هذين الجوابين من أجل الوصول إلى الجواب المختار يستدعي الرجوع مرّة أخرى إلى حدود مولوية المولى تبارك وتعالى ، فبعد أن تبيّن لنا هناك أنّ حدود المولوية ودائرة حقّ الطاعة تشتمل على التكاليف المنكشفة بأيّ درجة من درجات الانكشاف ، نتساءل هنا : هل تتضمّن هذه الدائرة التكاليف بشرط إصابتها للواقع ، أم أنّها تشمل التكاليف المنكشفة للمكلّف مطلقاً أصابت الواقع أو لم تصبه ؟
فلو قلنا بأنّ دائرة حقّ الطاعة تقف عند حدود التكاليف المصيبة والثابتة في الواقع فإنّ المكلّف المتجرّي لم يُخلّ بحقّ الطاعة ؛ لأنّ موضوع هذا الحقّ مؤلّف من أمرين :
الأوّل : وجود التكليف .
الثاني : ثبوته في الواقع .
والتكليف وإن كان موجوداً حسب اعتقاد المكلّف ولكنّه ليس ثابتاً في الواقع ، وإذا ثبت أنّ المتجرّي لم يخلّ بحقّ الطاعة فلا يكون مستحقّاً للعقاب عقلاً أيضاً .
وأمّا لو قلنا بأنّ دائرة حقّ الطاعة تشمل كلّ التكاليف المنكشفة سواء كانت ثابتة في الواقع أم لا ، فإنّ المكلّف المتجرّي يكون قد أخلّ بحقّ الطاعة فيستحقّ العقاب عقلاً .
والصحيح هو القول الثاني ؛ لأنّ العقل يحكم أوّلاً بلزوم احترام المولى ، ومن ثمّ يجعل له حقّاً في أن يطاع فيما يأمر به من التكاليف ، فحقّ الطاعة مترتّب على لزوم احترام المولى ، ولا شكّ أن من يتحدّى المولى بأيّ نوع من أنواع التحدّي - عاصياً كان أو متجرّياً - لا يعدّ مراعياً لحرمته ولا منصاعاً لحقّ طاعته ، فيحكم العقل بقبح فعله الصادر منه على نحو التحدّي وعدم الاحترام ، فيكون مستحقّاً للعقاب .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 146
مساهمون: علاء السالم
ص١٤٦