وكذا الحال في عظماء الصحابة ، ولا سيّما أمير المؤمنين ، عديل القرآن ، وصاحب الأذن الواعية ، الذي لم يفارق النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله وسلم من طفوليّته إلى ساعة وفاته ، وهو لم تكن له من الرواية عندهم إلَّا القليل بالنسبة إلى ما رواه أبو هريرة !
ثمّ إنّ عدم الاعتداد بأبي هريرة لا يختصّ بالصحابة والتابعين ، بل يعمّ غيرهم . .
فقد حكى ابن أبي الحديد [ 1 ] ، عن أبي جعفر ، وابن قتيبة ، أنّ أبا يوسف ذكر عن أبي حنيفة أنّه قال : « الصحابة كلَّهم عدول ما عدا رجالا ، ثمّ عدّ منهم أبا هريرة ، وأنس بن مالك !
وأنّ أبا أسامة روى عن الأعمش ، قال : كان إبراهيم صحيح الحديث ، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، فأتيته يوما بأحاديث عن أبي هريرة ، فقال : دعني من أبي هريرة ! إنّهم يتركون كثيرا من حديثه » .
ويؤيّد ما عن أبي حنيفة ، ما نقله السيّد السعيد رحمه اللَّه ، عن فخر الدين الرازي ، في مسألة التّصرية [ 2 ] ، من رسالته المعمولة لتفضيل مذهب
هامش
[ 1 ] ص 360 مجلَّد 1 [ 4 / 68 ] . منه قدّس سرّه .
وانظر : الميزان الكبرى - للشعراني - 1 / 45 ، فقد ورد فيه أنّ أبا حنيفة كان لا يعتدّ بحديث أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب .
[ 2 ] التّصرية : هي إذا لم تحلب ذوات اللبن - الناقة أو البقرة أو الشاة - أيّاما وتصرّ أخلافها حتّى يجتمع اللبن في ضرعها ، فإذا حلبها المشتري استغزرها .
والمصرّاة : هي الناقة أو البقرة أو الشاة يصرّى اللبن في ضرعها ، أي :
يجمع ويحبس .
انظر : لسان العرب 7 / 337 مادّة « صري » .