وأيّ فائدة لقولكم : « إنّا كسبنا المعصية » وأنتم تريدون به أنّكم محلّ بالاضطرار ؟ ! فيكون أرحم الراحمين - بزعمكم - قد خلق المعصية مع كسبها فيكم بلا جرم ، فصيّر تموه أظلم الظالمين كما هو مرادكم بقولكم : إنّ « لك التصرّف » فينا ، فإنّ اللَّه سبحانه يتنزّه عن التصرّف المطوي على الظلم والجور .
وأمّا ما ذكره في عذر عوامّهم بأن
نبيّنا قال : « عليكم بالسواد الأعظم »
فعذر بارد . .
لأنّه يقال لهم أوّلا : كيف أخذتم دينكم من هذا الحديث ، وهو لو صحّ سندا وتمّ دلالة لا يفيد إلَّا الظنّ ، وقد سمعتم قوله تعالى : * ( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) * [ 1 ] . . وقوله : * ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) * [ 2 ] ؟ !
ويقال لهم ثانيا : كيف أخذتم بهذا الحديث وتركتم قول اللَّه تعالى :
* ( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) * [ 3 ] الدالّ على انقلاب السواد الأعظم بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ؟ ! . .
وما رواه معتمدكم البخاري في « كتاب الحوض » من صحيحه أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أخبر أنّ الصحابة إذا وردوا عليه الحوض يحال بينه وبينهم ، ويقال له : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ويؤخذ بهم إلى النار ، ولا يخلص منهم إلَّا مثل همل النعم [ 4 ] .
هامش
[ 1 ] سورة يونس 10 : 36 .
[ 2 ] سورة الأنعام 6 : 116 .
[ 3 ] سورة آل عمران 3 : 144 .
[ 4 ] صحيح البخاري 8 / 216 ح 164 - 166 باب في الحوض .