شرح
ثم لا يخفى أنّ ملاك جواز النظر إلى رؤوس نساء البوادي والقرى وأهل السواد ليس عدم حرمتهنّ لأنهنّ مسلمات عفيفات ، بل هُنّ أكثر عفّة من نساء أهل البلدان . وإنّما جرت عادتهن على عدم ستر رؤوسهنّ ولا شعورهنّ بتمامها . وهذا بخلاف نساء أهل الذمّة فإنّهن مضافاً إلى عدم انتهائهنّ بالنهي واشتراكهنّ مع نساء البوادي في ذلك كما علَّل بذلك لجميعهنّ في صحيح عبّاد بن صهيب المروي في العلل لا حرمة لهنّ لأجل كفرهنّ . قد علَّل بذلك جواز النظر إليهنّ في النصوص . وهذا الملاك مختصّ بهنّ ، غير ثابت في نساء البوادي .
وأمّا احتمال إعراض المشهور عن صحيح عبّاد فلم يسمع من أحدٍ . ولكن قد يتبادر في المقام إشكال إلى الذهن . حاصله : أنّ الملاك الأصلي الذي علَّل به حرمة النظر إلى النساء المحترمات المؤمنات موجود في النظر إلى نساء البوادي والقرى أيضاً . وهو إثارة الشهوة والخوف من الوقوع في الفتنة وفساد النفس وابتلاء القلب بالمرض . كما عُلَّل وجوب غضّ البصر بذلك في قوله تعالى * ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ ) * « 1 » . وقوله تعالى * ( وإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ) * « 2 » . وكذا في النصوص الكثيرة المعلَّلة بمثل قوله ( عليه السّلام ) : النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ تَزْرَعُ في الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ وكفى بِها لِصاحِبها فِتْنَةً « 3 » .
وقوله ( عليه السّلام ) : النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهامِ إبْليسَ مَسْمُومٌ « 4 » وغير ذلك من النصوص .« 1 » سورة النور / الآية 30 .
« 2 » سورة الأحزاب / الآية 53 .
« 3 » الوسائل / ج 14 ص 139 ب 104 من مقدمات النكاح ح 6 وص 138 ح 1 وص 139 ح 5 .
« 4 » الوسائل / ج 14 ص 139 ب 104 من مقدمات النكاح - ح 6 وص 138 ح 1 وص 139 ح 5 .