شرح
بخلاف الفتوى فإنّها لا اختصاص لحجيتها بمورد دون مورد .
رابعها : أنّ الحكم لا يجوز نقضها للغير ، حتى في المسائل الخلافية بل ولو كان المحكوم عليه مجتهداً ، إلَّا إذا ادّعى جور الحاكم في حكمه وشكى في ذلك إلى حاكم آخر . فيجوز له حينئذٍ نقضه ، إذا ثبت له شرعاً جور الحاكم الأوّل في حكمه ، أو بان خطأ مستنده في الحكم ، كما أشار إلى الأوّل في الجواهر بقوله : « ليس على الحاكم تتبع حكم من كان قبله . . لكن لو زعم المحكوم عليه أنّ الأوّل حكم عليه بالجور . . لزمه النظر فيه ، أي في حكمه بلا خلاف أجده بين من تعرّض له منّا . . » « 1 » .
وقد أشار إلى الثاني بقوله : « وكذا كل حكم قضى به الأوّل وبان للثاني فيه الخطأ ولو لفساد الاجتهاد من الأوّل فإنّه ينقضه . وكذا لو حكم هو ثمّ تبيّن الخطأ فإنّه يبطل الأوّل ويستأنف الحكم بما علمه » « 2 » . وهذا بخلاف الفتوى فيجوز للمقلَّد نقضه بالرجوع إلى مجتهد آخر ، إلَّا إذا كان الأوّل أعلم . هذا إذا كان الغير عاميّاً مقلَّداً ، وأمّا إذا كان مجتهداً ، فله أن يعمل بفتوى نفسه وإن كان ناقضاً بذلك فتوى مجتهد آخر ، بل يجب عليه ذلك مطلقاً وإن كان المجتهد الآخر أعلم منه .
وعليه فالحكم لا يجوز نقضه مطلقاً لا بحكم آخر ولا بفتوى مجتهد آخر . وإنّ للسيد اليزدي كلاماً جامعاً في المقام ينبغي نقله . قال ( قدّس سرّه ) : « كما لا يجوز نقض الحكم بالحكم ، كذلك لا يجوز نقضه بالفتوى . » . وأمّا الفتوى فيجوز نقضها بالفتوى وبالحكم ، أمّا الأوّل فكما إذا مات مجتهده أو تغيّر رأيه فإنّه يجب عليه وعلى مقلَّديه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتي ، دون ما مضى فإنّه صحيح ، فالأعمال السابقة محكومة بالصحة ، بل إذا كان ما مضى عقداً أو إيقاعاً أو نحوهما ممّا من شأنه الدوام والاستمرار ، يبقى على صحته فيما يأتي أيضاً ، بالنسبة إلى تلك الواقعة الخاصة . فإذا تزوّج بكراً بإذنها بناءً على كون أمرها بيدها ثمّ تبدّل رأيه أو رأي مجتهده إلى كون أمرها بيد أبيها ، تكون باقية على زوجيته وإن كان لا يجوز له نكاح مثلها بعد ذلك .
وأمّا الثاني فكما إذا كان مذهبه اجتهاداً أو تقليداً نجاسة الغسالة أو عرق الجنب من الحرام مثلًا ، واشترى مائعاً ، فتبيّن أنّه كان ملاقياً للغسالة أو عرق الجنب من الحرام ، فتنازع مع البائع في صحة البيع وعدمها ، وترافعا إلى مجتهد كان مذهبه عدم النجاسة وصحة البيع فحكم بصحته ، فإنّ اللازم على المشتري العمل به وجواز التصرف في ذلك المائع ، ففي خصوص هذا المورد يعمل بمقتضى الطهارة ويبني عليها وينقض الفتوى بالنسبة إليه بذلك الحكم . وأمّا بالنسبة إلى سائر الموارد فعلى مذهبه من النجاسة ، حتى أنّه إذا لاقى ذلك المائع بعد الحكم بطهارة الغسالة أو عرق الجنب يبقى على تقليده الأوّل فيبني على نجاسته ، وهكذا في سائر المسائل الظنية في غير الصورتين المذكورتين » « 3 » .
خامسها : أنّ الحاكم في الحكم هو القاضي ؛ نظراً إلى صدور الحكم بإنشائه . وأمّا الفتوى فالحاكم فيه هو الشارع ، وإنّما الفقيه يخبر بالفتوى عن حكمه .
وعليه فالحكم الفتوائي يشرّعه الشارع وينشئه بالخطابات اللفظية ، ولكن الحكم الحكومي ينشئه الحاكم في مقام القضاء والإلزام .« 1 » جواهر الكلام 40 : 103 .
« 2 » نفس المصدر : 94 .
« 3 » العروة الوثقى 3 : 27 ، مسألة 35 .