شرح
وقد يقال : إنّه لا يجوز للآمر والناهي ارتكاب الحرام أو ترك الواجب لأجل إقامة الفريضة أو قلع المنكر في مطلق موارد الأهمية . ويستدل على ذلك :
أوّلا : بتقديم حفظ النفس من المعصية والعذاب على حفظ الغير مستشهدا بقوله تعالى * ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ ناراً ) * . فان تقديم حفظ النفس علىله ويعلم من تكاذبهما بعدم وجود مناط أحد الحكمين .
وأما في باب التزاحم لوحظ العنوان فانيا في مطلق الوجود عاريا عن الكثرات وإن المطلوب فيه صرف وجود الطبيعة فيشمل مورد الالتقاء بعمومه البدلي لا الاستغراقي - حتى ينفي الحكم الآخر - ومن هنا لا تنافي ولا تكاذب بين الدليلين .
فيحرز ملاك الحكمين في مورد الالتقاء . وحينئذ فمع وجود المندوحة وجمع المكلَّف بين التكليفين بسوء اختياره يأتي بحث اجتماع الأمر والنهي وامتناعهما ومع عدم المندوحة يدخل في باب التزاحم .
وقد عرفت من هذا البيان : إن ضابطة التزاحم وجود ملاك الحكمين معا وعدم المندوحة وهي تشمل موردين أحدهما : ما إذا اجتمع عنوانان في مورد واحد - كما أشرنا اليه - والثاني ما إذا لم يجتمعا ولكن توقف أحدهما على الآخر . وهذا القسم الثاني داخل في التزاحم قطعا لوجود ملاك كل من الحكمين وفرض عدم المندوحة . وإن مفروض المسألة من هذا القبيل نظرا إلى كون كلّ من الإنكار وارتكاب الحرام فعلا مستقلا فيدخلان في باب التزاحم وذلك لانّ الدوران في المقام بين الإنكار وبين الاجتناب عن الحرام . وإنّ وجوب كلّ منهما نفسي حيث يدور أمر المكلَّف بين ان يرتكب الحرام فينهى عن المنكر أو يترك الحرام ولا ينهي عن المنكر . فالتزاحم بين واجبين أحدهما ، الاجتناب عن المعصية والآخر ، هو النهي عن المنكر .