فضلا عن إجماع الامّة . نعم ، عقد عبد الرحمن البيعة لصاحبه وسيفه مسلول على رأس الإمام عليّ بن أبي طالب قائلا له : « بايع وإلّا ضربت عنقك » . ولحقه أصحاب الشورى قائلين : بايع وإلّا جاهدناك « 1 » .
والتمحّل بحصول الإجماع بعد ذلك تدريجا لا يجديهم نفعا ؛ فإنّ الخلافة قد ثبتت عندهم بالبيعة الأولى فجاء متمّموا الإجماع بعد ذلك على أساس موطّد .
وأمّا ثانيا : فإنّ من الممكن على فرض التنازل مع التفتازاني أن يكون إجماعهم على خلافة الثلاثة لكونهم معصومين كما ينصّ به هو ، وأمّا الإجماع المنقول عنهم بعدم وجوب العصمة فممّا لا طريق إلى تحصيله من آراء الصحابة ؛ فمتى سبر التفتازاني نظريّات السلف وهم معدودون بمئات الألوف فعلم من نفسيّاتهم أنّهم لا يرون وجوب العصمة في خلفائهم وهم رهائن أطباق الثرى ؟ ! ومن ذا الّذي كان يسعه أن يعلمها فينهيها إلى التفتازاني وهلمّ جرّا إلى دور الصحابة ؟ ! ومتى كانوا يتعاطون المسائل الكلاميّة ويتفاوضون عليها فيحفي هذا خبر ذاك ثمّ ينقله إلى ثالث إلى أن يتسلسل النقل فيشيع ؟ !
والسابر لصحائف دور الخلافة الأولى منذ يوم السقيفة إلى يوم الشورى لا يجد لأمر العصمة في منتديات القوم ذكرا ولا يسمع منه ركزا ، وإنّما اتّخذوا أمر الخلافة كملوكيّة يتسنّى لهم بها الحصول على أمن البلاد وحفظ الثغور وقطع السارق والاقتصاص من القاتل وما إلى هذه من لداتها كما فصّلنا « 2 » القول فيه . وعلى ذلك جرى العلماء والمتكلّمون ، فليس لهم في الشروط النفسانيّة من العلم والتقوى والقداسة أخذ ولا ردّ إلّا كلمات سلبيّة حول اشتراطها . ومتى كانت الخلافة عند السلف إمرة دينيّة حتّى يبحثوا عن حدودها ؟ ! ولم تكن إلّا سياسة وقتيّة مدبّرة بليل .
هامش
( 1 ) - أنساب الأشراف 5 : 22 [ 6 / 128 ] .
( 2 ) - في المجلّد الأوّل من كتابنا هذا : ص 54 - 59 .