« أما واللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة « 1 » ، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنّي السيل ، ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا ، حتّى مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده . ثمّ تمثّل بقول الأعشى :
شتّان ما يومي على كورها * ويوم حيّان أخي جابر
فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها في حياته « 2 » إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ! فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس - لعمر اللّه - بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدّة ، وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله « 3 » جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم ، فيا للّه وللشورى ، متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت اقرن إلى هذه النظائر ، لكنّي أسففت إذ اسفّوا وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم « 4 » لضغنه ، ومال
هامش
( 1 ) - [ كان أبو بكر في الجاهليّة يسمّى عبد العزّى ، فغيّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسمّاه « عبد اللّه » ] .
( 2 ) - [ كان أبو بكر يقول : « أقيلوني فلست بخيركم » ] .
( 3 ) - [ كانت خلافة أبي بكر عام ( 11 ) للهجرة وتوفّي في جمادي الآخرة عام ( 13 ) للهجرة ، وكانت خلافة عمر عام ( 13 ) للهجرة وقتل في ذي الحجّة عام ( 23 ) للهجرة ] .
( 4 ) - [ كان سعد بن أبي وقّاص أحد الستّة من أعضاء الشورى ، وكان من أبناء عمّ عبد الرحمن بن عوف ، وكانا كليهما من قبيلة بني زهرة ، وكان وراء ضغينة سعد لعليّ عليه السّلام أخواله ؛ لأنّ أمّه حمنة هي بنت سفيان بن اميّة بن عبد شمس ، وقد قتل علي عليه السّلام زعماءهم ؛ انظر شرح نهج البلاغة ، محمّد عبده 1 / 34 ] .