الثالث : أنّه أعطى العهود والمواثيق المؤكّدة على النزوع عمّا كان يرتكبه ممّا ينقمونه عليه وسجّل ذلك في صكوك يبثّها في البلاد بأيدي الناهضين عليه ؛ إذ كان على علم بأنّ البلاد قد تمخّضت عليه كما مرّ « 1 » في كلام لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام ، ثمّ لم يلبث حتّى نكثها بعد ما ضمن له بالعمل على ذلك الضمان مثل مولانا أمير المؤمنين ومحمّد بن مسلمة ذلك الصحابيّ العظيم ، وقد شهدت ذلك الضمان امّة كبيرة من الصحابة ، فكأنّه ما كان يرى للعهد لزوما ، ولا للضمان حرمة ، ولا للضامنين مكانة ، ولا لنكث العهد معرّة ، ولعلّه كان يجد مبرّرا لتلكم الفجائع أو الفضائح . وعلى أيّ فالمسلمون - ويقدمهم الصحابة العدول - لم يرقهم ذلك المبرّر ولا اعترفوا به ، فمضوا إلى ما فعلوه قدما غير متحوّبين ولا متأثّمين .
الرابع : إنّ التزامه في كتاب عهده في الحصار الأوّل بالعمل بالكتاب والسنّة وهو في حيّز النزوع عمّا كان يرتكبه قبل ذلك ، وقد أعتب بذلك المتجمهرين عليه المنكرين على أحداثه المنحازة عنهما ، يرشدنا إلى أنّه كان في أعماله قبل ذلك الالتزام حائدا عن الكتاب والسنّة ، وحسب أيّ إنسان من الضعة أن تكون أعماله منتئية عنهما .
الخامس : إنّ الطريد بن الطريد ، أو قل عن لسان النبيّ الأمين « 2 » : « الوزغ ابن الوزغ ، اللعين بن اللعين » ، مروان بن الحكم كان يؤثّر في نفسيّات الخليفة حتّى يحوّله كما قال مولانا أمير المؤمنين عن دينه وعقله ، ويجعله مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ؛ فلم يزل به حتّى أربكه عند منتقض العهود ومنتكث المواثيق ، فأورده مورد الهلكة . وعجيب من الخليفة أن يتأثّر بتسويلات الرجل وهو يعلم محلّه من الدين وموقفه من الإيمان ، ومبوّأه من
هامش
( 1 ) - انظر ص 181 من كتابنا هذا .
( 2 ) - راجع ما مرّ في ص 61 من كتابنا هذا .