الاستقراء لكثير من الموارد : أنّ كثيرين من الصحابة ما كان يحجزهم الدين عن مخالفة التعاليم المقرّرة وكانوا يقدّمون عليها سياسة الوقت ، وإلّا فلا وجه لتربيعهم الصلاة وهم يرون أنّ المشروع خلافه لمحض أنّ الخلاف شرّ ، وهم أو من ناضل عنهم وحكم بعدالتهم أجمع لا يرون جواز التقيّة ؛ فعبد اللّه بن عمر يتّبع الخليفة في أحدوثته ، وكان يتمّ إذا صلّى مع الإمام ، وإذا صلّى وحده صلّى ركعتين ، وفي لسانه قوله : « الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنّة فقد كفر » « 1 » . وبمسمع منه قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه لا يقبل عمل امرئ حتّى يتقنه » . قيل :
وما إتقانه ؟ قال : « يخلصه من الرياء والبدعة » « 2 » . وقوله صلّى اللّه عليه وآله : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ » « 3 » .
وهذا عبد اللّه بن مسعود يرى السنّة في السفر ركعتين ، ويحدّث بها ، ثمّ يتمّ معتذرا بأنّ عثمان كان إماما فما أخالفه والخلاف شرّ .
وهذا عبد الرحمن بن عوف كان لم ير للخليفة عذرا فيما أتى به من إتمام الصلاة في السفر ، ويقول له مجيبا عن أعذاره : « ما من هذا شيء لك فيه عذر » ، ويسمع منه قوله : « إنّه رأي رأيته » خلافا للسنّة الثابتة ، ومع ذلك كلّه يصلّي أربعا بعد ما سمع من ابن مسعود بأنّ الخلاف شرّ « 4 » .
لماذا كانت مخالفة عثمان شرّا ، ولم تكن مخالفته ومخالفتهم على ناموس الشريعة ونبيّها شرّا ؟ ! دعني واسأل الصحابة الأوّلين .
وهذا عليّ أمير المؤمنين المقتصّ الوحيد أثر النبيّ الأعظم يؤتي به للصلاة - كما مرّ « 5 » - فيقول : « إن شئتم صلّيت بكم صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ركعتين » ؛ فيقال
هامش
( 1 ) - راجع سنن البيهقي 3 : 140 .
( 2 ) - بهجة النفوس للحافظ ابن أبي جمرة الأزدي الأندلسي 4 : 160 [ ح 241 ] .
( 3 ) - المحلّى 7 : 197 [ المسألة 866 ] .
( 4 ) - راجع سنن البيهقي 3 : 144 .
( 5 ) - في ص 8 من الكتاب .