تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
أثرها في النفس فهو تأثيرها في اخراج النفس عن القوة إلى الفعل في التعقلات والادراكات ، وكلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل ، وذلك غاية كمالها ونهاية شرفها وجلالتها . وأما أثرها في البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن واستيلاء الذبول عليه ، وهذه الحالة لو استمرت لانتهت إلى الماليخوليا وموت البدن ( 1 ) ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الأفكار توجب حياة النفس وشرفها ، وتوجب نقصان البدن وموته فلو كانت النفس هي البدن لصار الشئ الواحد بالنسبة إلى الشئ الواحد سببا لكماله ونقصانه معا ولحياته وموته معا وإنه محال . والثالث أنا شاهدنا أنه ربما كان بدن الانسان ضعيفا نحيفا ، فإذا لاح نور من الأنوار القدسية وتجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الانسان جرأة عظيمة وسلطنة قوية ولم يعبأ بحضور أكبر السلاطين ولم يقم له وزنا ، ولولا أن النفس شئ سوى البدن ، والنفس إنما تحيى وتبقى بغير ما به يقوى البدن ويحيى لما كان الامر كذلك . والرابع أن أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية وتجويع الجسد قويت قواهم الروحانية وأشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية ، وكلما أمعن الانسان في الأكل والشرب وقضاء الشهوات الجسدانية صار كالبهيمة وبقي محروما عن آثار النظر والعقل والفهم والمعرفة ( 2 ) ، ولولا أن النفس غير البدن لما كان الامر كذلك . والخامس أنا نرى النفس تفعل أفاعيلها بآلات بدنية ، فإنها تبصر بالعين وتسمع بالاذن ، وتأخذ باليد ، وتمشي بالرجل . أما إذا آل الامر إلى التعقل والادراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير إعانة شئ من الآلات ، ولذلك فإن الانسان يمكنه أن لا يبصر شيئا إذا غمض عينيه ، وأن لا يسمع شيئا إذا سد أذنيه ، ولا يمكنه البتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالما به ، فعلمنا أن النفس
هامش
( 1 ) في المصدر : وسوق الموت . ( 2 ) في المصدر : عن آثار النطق والعقل والمعرفة .
بحار الأنوار — صفحة 18 | العلامة المجلسي / محمد الباقر البهبودي