تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
وكذا القوة السامعة وكذا سائر القوى كالتخيل والتذكر والتفكر ، والعلم بأن هذه القوى غير سارية في جملة أجزاء البدن علم بديهي بل هومن أقوى العلوم البديهية ، وأما بيان أنه يمتنع أن يكون النفس جزء من أجزاء البدن : فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس في البدن جزء واحد هو بعينه موصوف بالابصار والسماع والفكر والذكر ، بل الذي يتبادر إلى الخاطر أن الابصار مخصوص بالعين لا بسائر الأعضاء ، والسماع مخصوص بالاذن لا بسائر الأعضاء ، والصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الأعضاء ، وكذلك القول في سائر الادراكات وسائر الأفعال ، فأما أن يقال : إنه حصل في البدن جزء واحد موصوف بكل هذه الادراكات وكل هذه الأفعال ، فالعلم الضروري حاصل أنه ليس الامر كذلك ، فثبت بما ذكر ناه أن النفس الانسانية شئ ء واحد موصوف بجملة هذه الادراكات وبجملة هذه الأفعال ، وثبت بالبديهة أن جملة البدن ليست كذلك ، وثبت أيضا أن شيئا من أجزاء البدن ليس كذلك ، فحينئذ يحصل اليقين بأن النفس شئ مغائر لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه وهو المطلوب . ولنقرر هذا البرهان بعبارة أخرى ، نقول : إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئا عرفناه ، وإذا عرفناه اشتهيناه ، وإذا اشتهيناه حركنا أبداننا إلى القرب منه ، فوجب القطع بأن الذي أبصر هو الذي عرف ، وأن الذي عرف هو الذي اشتهى ، وأن الذي اشتهى هو الذي حرك إلى القرب منه ، فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشئ والعارف به والمشتهي إليه والمحرك إلى القرب منه شئ واحد ، إذ لو كان المبصر شيئا والعارف شيئا ثانيا والمشتهي شيئا ثالثا والمحرك شيئا رابعا ، لكان الذي أبصر لم يعرف والذي عرف لم يشته والذي اشتهى لم يحرك ، لكن من المعلوم أن كون شئ مبصرا لشئ لا يقتضي صيرورة شئ آخر عالما بذلك الشئ ، وكذلك القول في سائر المراتب . وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الرائي للمرئيات " أنا " وإني لما رأيتها عرفتها ، ولما عرفتها اشتهيتها ، ولما اشتهيتها طلبتها وحركت الأعضاء إلى القرب منها ، ونعلم أيضا بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية وبهذا العلم وبهذه الشهوة وبهذا التحريك " أنا " لا غيري . وأيضا العقلاء قالوا : الحيوان لابد وأن يكون حساسا متحركا بالإرادة ،