تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
غنية بذاتها في العلوم والمعارف عن شئ من الآلات البدنية ، فهذه الوجوه أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم . ثم ذكر في إثبات أن النفس ليست بجسم وجوها من الدلائل السمعية : الأول قوله تعالى : " ولا تكونوا كالذين نسو الله فأنساهم أنفسهم " ( 1 ) ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد ، فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الانسان عند فرط الجهل شئ آخر غير هذا البدن . الثاني قوله تعالى : " أخرجوا أنفسكم " وهذا صريح في أن النفس غير هذا الجسد . الثالث أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين - إلى قوله - فكسونا العظام لحما " ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ، ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال " ثم أنشأناه خلقا آخر " وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغائر لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية ، وذلك يدل على أن الروح شئ مغائر للبدن . فإن قالوا : هذه الآية حجة عليكم ، لأنه تعالى قال " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " وكلمة " من " للتبعيض ، وهذا يدل على أن الانسان بعض من أبعاض الطين قلنا : كلمة " من " أصلها لابتداء الغاية ، كقولك : خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الانسان حاصلا من هذه السلالة ، ونحن نقول بموجبه ، لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح ، فيكون ابتداء تخليقه من سلالة . الرابع قوله " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " ميز تعالى بين التسوية وبين نفخ الروح ، فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء ، ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله " من روحي " دل ذلك على أن جوهر الروح شئ مغائر لجوهر الجسد .
هامش
( 1 ) الحشر : 19 .