تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
عالما قادرا على سبيل الاستقلال ، فوجب أن لا يكون الانسان الواحد حيوانا واحدا ، بل أحياء عالمين قادرين ، وحينئذ لا يبقى فرق بين الانسان الواحد وبين أشخاص كثيرين من الناس ربط بعضهم بالبعض بالسلسلة ، لكنا نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لأني أجد ذاتي ذاتا واحدة وحيوانا لا حيوانات كثيرين . وأيضا فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيوانا واحدا على حدة فحينئذ لا يكون لكل واحد منها خبر عن حال صاحبه ، فلا يمتنع أن يريد هذا الجزء أن يتحرك إلى هذا الجانب ويريد الجزء الآخر أن يتحرك إلى الجانب الآخر ، فحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الانسان الواحد كما يقع بين الشخصين ، وفساد ذلك معلوم بالبديهة وأما الثاني فلانه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وذلك معلوم البطلان بالضرورة ، مع أنه يعود المحذور السابق أيضا . ومنها أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم وذلك يدل على أن النفس ليست جسما ، وتقرير هذه المنافاة من وجوه : الأول أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة الأولى عنه زوالا تاما ، مثاله أن البصر إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع والتدوير إلا بعد زوال الشكل الأول عنه . ثم إنا وجدنا الحال في قبول النفس لصور المعقولات بالضد من ذلك ، فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية البتة يعسر قبولها لشئ من الصور العقلية ، فإذا قبلت صورة واحدة كان قبولها للصورة الثانية أسهل ، وإذا قبلت الصورة الثانية صار قبولها للصورة الثالثة أسهل ، ثم إن النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف البتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر ، كان قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل وأسرع ولهذا السبب يزداد الانسان فهما وإدراكا كلما ازداد تخريجا وارتياضا للعلوم ، فثبت أن قبول النفس للصورة العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة ، وذلك يوهم أن النفس ليست بجسم . والثاني أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر في النفس وأثر في البدن ، أما