وقفت حجرا عثرة في سبيل الخلق والإبداع ، وكانت سببا في التكرار الممل في الموضوعات والأساليب وطرق الأداء ؛ ولكنها من ناحية أخرى كانت العامل الأكبر في حفظ اللغة الفارسية وحمايتها من التبذل الذي أصاب أحيانا لغتنا الإنجليزية وغيرها من اللغات الأوروبية بفعل العباقره الشاردين الذين لم يتفيدوا بمراعاة القديم ولم يظفروا بقسط وافر من الدقة والمران .
التصنع صفة عارضة في الأساليب الفارسية :
ومن الحق أن نقرر هنا أن الأساليب الفارسية كانت كالأساليب العربية تختلف وفقا للأزمنة والأمكنة . وقد رأينا أن قواعد النقد التي اتبعها « دولتشاه » في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ( أي التاسع الهجري ) تختلف كثيرا عما اتبعه صاحب « چهار مقاله » في منتصف القرن الثاني عشر ( أي السادس الهجري ) بينما نجد أن « ابن خلدون » قد منعه شغفه بالقديم من أن يعجب بالإغراق في استعمال المحسنات البلاغية التي انتشرت في كتابات أهل المشرق وكذلك في كتابات بنى جلدته خلال القرون الثلاثة الأخيرة .
ومع ذلك كله فإننا لا نعدم أن نصادف البساطة واليسر في كتابات القدماء والمحدثين من الفرس على السواء ، فيما كتبوه من نظم أو نثر على السواء ، فكتاب « الإيقان » وهو من كتب « البابية » الذي كتبه « بهاء اللّه » حوالي سنة 1859 م يمتاز بمتانة الأسلوب وقوته حتى ليشبه كتاب « چهار مقاله » الذي ألف من قبله بسبعة قرون ؛ وكذلك المنظومات التي ينظمها الشعراء المعاصرون في « تعزية الحسين » أو الأغانى الشعبية التي تعرف باسم « التصانيف » كل هذه تبلغ في سلامتها وعدم تكلفها مبلغ ما قاله « الرودكى » من أشعار جميلة رائعة . بينما نجد أن هذا الأسلوب المتصنع المشحون بالمحسنات البلاغية الذي يعرفه كل من قرأ « أنوار سهيلى » يأخذ في السيطرة على « الآداب الفارسية » كلما كان رعاتها من أصل تركى أو مغولى ، حتى يبلغ هذا الأسلوب ذروة مداه على أيدي الكتاب والشعراء العثمانيين من أمثال « ويسى » و « نرگسى » .