أهيم بدعد ما حييت فإن أمت * فلا صلحت دعد لذي خلة بعدى
قالوا : « أنت يا أمير المؤمنين أشعر الثلاثة . . . ! ! » .
فهذه القصة تدلنا دلالة قاطعة على أن الأمر كله كان وقفا على الأفكار والمعاني لا على الألفاظ والأساليب .
ابن خلدون ورأيه في الأسلوب :
والآن . . . فلننظر إلى ما قاله أكبر مؤرخي العرب الفيلسوف الشهير « ابن خلدون » ( المولود في تونس سنة 1322 م - 722 ه . والمتوفى في القاهرة سنة 1406 م - 809 ه ) فهو يقول في الفصل الثامن والأربعين من مقدمته تحت عنوان « فصل في أن صناعه النظم والنثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني » ما نصه « 1 » :
« إعلم أن صناعة الكلام نظما ونثرا إنما هي في الألفاظ لا في المعاني ، وإنما المعاني تبع لها وهي أصل . فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم والنثر إنما يحاولها في الألفاظ ، يحفظ أمثالها من كلام العرب ليكثر استعماله وجريه على لسانه ، حتى تستقر له الملكة في لسان مضر ، ويتخلص من العجمة التي ربى عليها في جيله ، ويفرض نفسه مثل وليد ينشأ في جيل العرب ويلقن لغتهم كما يلقنها الصبى حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانهم ؛ وذلك أنا قدمنا أن للسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل له . والذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ ، وأما المعاني فهي في الضمائر . وأيضا فالمعانى موجودة عند كل واحد وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى ، فلا تحتاج إلى صناعة ، وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه ، وهو بمثابه القوالب للمعاني ؛ فكما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف ، والماء واحد في نفسه ، وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء ؛ كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات
هامش
( 1 ) المترجم : أوردت الأصل نقلا عن مقدمة ابن خلدون طبع بيروت سنة 1900 م ، ص 577 .