في نفر من أصحابه ، يقرأ عليهم كتاب الله ، ويذكرهم عن الله أمره ونهيه ، فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمد ، وعظم خطبه ، تعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته « 1 » والاحتجاج عليه ، وإبطال ما جاء به ، ليهون خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره عندهم ، فلعله أن ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده وطغيانه ، فإن انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر .
قال أبو جهل : فمن ذا الذي يلي كلامه ومحاورته ؟ فقال « 2 » عبد الله بن أبي أمية المخزومي : أنا لذلك ، أفما ترضاني قرنا حسيبا ، ومجادلا كفيا ؟ قال أبو جهل : بلى . فأتوه بأجمعهم ، فابتدأ عبد الله بن أبي أمية ، فقال : يا محمد - وذكر ما طلبه من محمد ( صلى الله عليه وآله ) وما أجابه به - فقال : وأما قولك : * ( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * ، الوليد بن المغيرة بمكة ، أو عروة بن مسعود بالطائف ، فإن الله تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ، ولا خطر له عنده كما كان له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به ، مخالفا له ، شربة ماء ، وليس قسمة رحمة الله إليك ، بل الله القاسم للرحمة « 3 » ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو عز وجل ممن يخاف أحدا كما تخافه لماله أو لحاله فتعرفه بالنبوة لذلك ، ولا ممن يطمع في أحد في ماله وحاله كما تطمع فتخصه بالنبوة لذلك ، ولا ممن يحب أحدا محبة الهوى كما تحب فتقدم من لا يستحق التقديم ، وإنما معاملته بالعدل ، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين وخلاله « 4 » ، إلا الأفضل في طاعته ، والآخذ في خدمته ، وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وخلاله « 5 » ، إلا أشدهم تباطؤا عن طاعته ، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال ، بل هذا المال والحال من فضله ، وليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب .
فلا يقال له : إذا تفضلت بالمال على عبد ، فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا ، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ، ولا إلزامه تفضلا ، لأنه تفضل قبله بنعمة ، ألا ترى - يا عبد الله - كيف أغنى واحدا وقبح صورته ؟
وكيف حسن صورة واحد وأفقره ؟ وكيف شرف واحدا وأفقره ؟ وكيف أغنى واحدا ووضعه ؟ ثم ليس لهذا الغني أن يقول : هلا أضيف إلى يساري جمال فلان ؟ ولا للجميل أن يقول : هلا أضيف إلى جمالي مال فلان ؟ ولا للشريف أن يقول : هلا أضيف إلى شرفي مال فلان ؟ ولا للوضيع أن يقول : هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان ؟ ولكن الحكم لله يقسم كيف يشاء ، ويفعل ما يشاء ، وهو حكيم في أفعاله ، محمود في أعماله ، وذلك قوله تعالى : * ( وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * .
قال الله تعالى : * ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ) * يا محمد * ( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) * فأحوجنا بعضا إلى بعض ، أحوجنا هذا إلى مال ذاك ، وأحوجنا ذاك إلى سلعة هذا وإلى خدمته ، فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء ، محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب ، إما سلعة معه ليست معه ، وإما
هامش
( 1 ) في المصدر زيادة : وتوبيخه .
( 2 ) في المصدر : ومجادلته . قال .
( 3 ) في المصدر : اللَّه هو القاسم للرحمات .
( 4 ، 5 ) في « ج » والمصدر : جلاله .