تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 667

مساهمون:

ص٦٦٧
وسلب عنه نعمته ، ولو علم فيك خيرا لأخبرني بك ، ولقبض روحك مع أرواح الرعاة ، ولكنه علم فيك شرا فخلصك منها كما يخلص الزوان « 1 » من القمح ، فسر عني - أيها العبد - مذموما مدحورا . فقال إبليس : صدق من قال : لا تخدموا المتكبرين . يا أيوب ، الآن علمت أنك كنت مرائيا في صلاتك ، ألم أكن لك عبدا شفيقا من عبيدك ، ألم أكن حريصا على أموالك ، فما جزائي منك إلا أن تعيرني بما نالني من وهج الحريق ، دون أن تقول ما تقوله ؟ فلم يكلم إبليس ، وأقبل أيوب على صلاته . وانصرف عنه إبليس خائبا ذليلا ، وصعد إلى السماء كما كان يصعد ، ووقف كما كان يقف ، فنودي : يا ملعون ، كيف وجدت عبدي أيوب ، كيف صبر على ذهاب أمواله جميعا ، من المواشي ، والعبيد ، وغيرها ، وكيف حمدني على البلية ؟ فقال اللعين : إلهي وسيدي ، إنك متعته بعافية أولاده ، وزخارف دوره ، ولو سلطتني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي إليك شكر نعمة أبدا . فنودي : يا ملعون ، اذهب ، فقد سلطتك على أولاده » . قال : فانقض عدو الله إلى قصر أيوب الذي فيه أولاده ، فأما البنون : فحزقل ، وهو أكبرهم ، ومقبل ، ورشد ، ورشيد ، وبهارون ، وبشير ، وأقرون ، والباقي من الذكور ، لم نجد لهم أسماء في الكتب والقصص . وأما البنات : فمرجانة « 2 » ، وعبيدة ، وصالحة ، وعافية ، وتقية « 3 » ، ومؤمنة . قال : « فزلزل عليهم القصر بنفسه حتى سقط بعضه على بعض ، وجعل يشد أفواههم بالخشب ، والخرق ، ويقذفهم بالجندل ، حتى مثل بهم أقبح مثلة ، وأوحى الله تعالى إلى الأرض : أن احفظي أولاد النبي أيوب ، فإني بالغ مشيئتي فيهم ، ولأجزينهم بذلك الثواب . فأقبل إبليس إلى أيوب ، وقال : يا أيوب ، لو رأيت قصورك وأولادك كيف صاروا ، ولقد صارت قصورهم لهم قبورا ، وطينها صار لهم حنوطا ، وثيابهم وفرشهم صارت لهم أكفانا ، ولو أبصرت كيف تغيرت تلك الوجوه الحسان بالدماء والتراب ، والعظام كيف تهشمت ، واللحوم كيف رصعت « 4 » ، والجلود كيف تمزقت . ولم يزل إبليس اللعين يعد عليه مثل هذا بافتجاع وانكسار وانتحاب حتى بكى أيوب ( عليه السلام ) ، وساعده إبليس على البكاء ، فندم أيوب على بكائه ، وأخذ قبضة من التراب ، ووضعها على رأسه ، واستغفر الله تعالى ، وخر ساجدا ، ثم أقبل على إبليس ، وقال له : يا ملعون ، انصرف عني خائبا ذليلا مدحورا ، فإن أولادي كانوا عارية لله تعالى عندي ، ولا بد من اللحاق بهم » . قال : « فانصرف إبليس ولم ينل منه ، وصعد إلى السماء كما كان يصعد ، ووقف كما كان يقف ، فأتاه النداء : يا ملعون ، كيف رأيت عبدي أيوب وتوبته واستغفاره بعد بكائه ؟ فقال إبليس : إلهي وسيدي ، إنك متعته بعافية نفسه ، وفيها عوض عن المال والولد ، فلو سلطنتي على بدنه لرأيته كيف ينسى ذكرك ، ويترك شكرك . فنودي : يا لعين ، اذهب ، فقد سلطتك على بدنه ، ما خلا : عينيه « 5 » ، وعقله ، ولسانه الذي لا يفتر عن ذكري ، وأذنيه » .
هامش
( 1 ) الزوان : حبّ يخالط البرّ . « الصحاح - زون - 5 : 2133 » . ( 2 ) في « ي ، ط » : فنحاة ، وفي « ج » و « ط » نسخة بدل : فمنجاة . ( 3 ) في المصدر : نفيسة . ( 4 ) رصع الحبّ : دقّه بين حجرين . « لسان العرب - رصع - 8 : 125 » . ( 5 ) في المصدر : قلبه وعينه .