وأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَه شِهاباً رَصَداً ) * « 1 » .
فصعد إبليس اللعين في زمان أيوب ( عليه السلام ) إلى ما دون العرش كما كان يصعد ، ووقف في الموضع الذي كان يقف فيه ، وفي قلبه من النبي أيوب ما فيه ، والله مطلع على السر والعلانية ، فنودي : يا ملعون ، من أين أقبلت ؟
فقال : إلهي ، طفت الأرض لأفتن من أطاعني ، ففتنتهم إلا عبادك منهم المخلصين . فنودي : يا لعين ، ما في قلبك من نعمة أيوب ؟ فقال إبليس : يا رب ، إنك ذكرته فصلت عليه ملائكتك . فنودي : يا لعين ، هل نلت منه شيئا مع طول عبادته ، فهل تستطيع أن تغويه عن عبادتي ؟ فقال : إلهي ومولاي ، إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة ، ونظرت في أمره وإذا هو عبد عافيته فقبل عافيتك ، ورزقته فشكرك ، ولم تجربه في البلاء والمصائب ، فلو ابتليته لوجدته بخلاف ما هو عليه ، ولو سلطنتي - يا رب - على ماله لرأيته كيف ينساك . فنودي : يا ملعون ، قد سلطتك على ماله لتعلم أنك كاذب فيما تعتقده فيه » .
قال : « فانقض من السماوات حتى وقف على الصخرة التي رضخ عليها قابيل رأس أخيه هابيل ( عليه السلام ) ، وهي صخرة سوداء ينبع منها صديد اللعنة ، فوقف إبليس عليها ، ورن رنة حتى اجتمع عليه العفاريت المتمردون من المشرق والمغرب ، فقالوا : يا أبانا ، وما وراءك ، وما دهاك ؟ فقال : إني مكنت من فرصة ما تمكنت من مثلها منذ أخرجت آدم من الجنة ، وذلك أني سلطت على مال أيوب لافقره ، واعطب ماله . فقال بعضهم : سلطني على أشجاره ، فإني أتحول نارا ، ولا أمر على شيء إلا أحرقته ، وصيرته رمادا . فقال إبليس : أنت لذلك . وقال آخر :
سلطني على مواشيه حتى أصيح صيحة تخرج أرواحها . فقال أنت لذلك . فأقبل الأول ، وتحول نارا ، حتى أحرق تلك الأشجار والآجام . وأقبل الآخر على المواشي ، فصاح بها صيحة خرجت كلها ميتة مع رعاتها .
فرأى أهل القرية دخانا عظيما ، وصيحة عظيمة ، ففزعوا فزعا شديدا ، فأقبل اللعين إلى أيوب وهو في صلاته ، وخيل إلى أيوب أنه أصابه وهج ذلك الحريق ، وقد اسود وجهه ، وتمعط « 2 » شعره ، وهو لعنه الله ينادي : يا أيوب ، أدركني ، فأنا الناجي من دون غيري ، فما رأيت نارا أقبلت من السماء فيها دخان فأحرقت ما لك - يا أيوب - وأصابتني نفحة من نفحاتها ، وسمعت مناديا من السماء يقول : هذا جزاء من كان مرائيا في عبادته ، يريد بها الناس دون الله تعالى . وقال إبليس : وسمعت النار تقول : أنا نار الغضب ، أنا نار السخط .
قال : فلما سمع أيوب ذلك أقبل على صلاته ، ولم يلتفت إليه حتى فرغ من صلاته تامة كاملة ، فقال : يا هذا ، ليست هي أموالي ، وإنما هي أموال الله تعالى يفعل بها ما شاء . فقال إبليس لعنه الله : صدقت . وماج الناس ، فقال بعضهم : هذا ما قبضه قبض العجب . وقال آخرون : ما كان أيوب صادقا في توبته ، فلهذا جازاه بهذا الجزاء . فشق ذلك على أيوب من قولهم ، ولم يجبهم ، غير أنه قال : الحمد لله على قضائه وقدره .
فأقبل النبي أيوب على اللعين إبليس ، وقال له : من أنت أيها العبد ؟ كأنك ممن أخرجه الله من رحمته ،
هامش
( 1 ) الجن 72 : 8 و 9 .
( 2 ) تمعّط شعره : أي تساقط . « الصحاح - معط - 3 : 1161 » .