الجواب : إنّ هذه النساء التي تقدّم الكلام عنها ، وكذا بقية النساء التي لها الأثر في تاريخ مسيرة النبوّة الخاتمة نبوّة نبينا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) كخديجة وفاطمة وغيرهما من النساء البارزات والمميّزات ، لم يرد النصّ بالاصطفاء « في القرآن الكريم » في أيّهم سوى السيّدة مريم ( أم عيسى ) ( 1 ) . واصطفاء السيّدة مريم لم يكن بمعنى تمييزها عن سائر النساء بمواهب وكفاءات تماثل فيها الرجال ، وتفوق بها النساء ، بل الاصطفاء هنا بمعنى آخر ، إذ قالت الآية الكريمة : ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) ( 2 ) . وقد ذكر المفسّرون أنّ المراد من الاصطفاء الأوّل في الآية : هو تفريغها للعبادة والخدمة في الهيكل ، بعد استثنائها من الحظر المفروض على النساء في هذا الشأن ، وذلك استجابة لنذر أُمّها بتحرير حملها للعبادة المحكي في قوله تعالى : ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي ) والاصطفاء الثاني : هو اختيارها لولادة عيسى ( عليه السلام ) الإعجازية . فالاصطفاء الأوّل : هو استجابة لدعاء وعونٌ على التقوى لإعدادها لموضوع الاصطفاء الثاني ، وهو الحمل الإعجازي . إذن السيّدة مريم لا تتميّز عن سائر النساء في سائر حالاتها وشؤونها الإنسانية ، فالمرأة بحسب إنسانيّتها وخلقتها الأصليّة قابلة لتولّي المهام في الحياة العامة كالرجل ، فهي كاملة وليست ناقصة ومتدنية عن الرجال في الأعمال العامة إذا سنحت لها الفرصة والتربية والتمرين على ذلك .
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 275
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٢٧٥
هامش
( 1 ) ملاحظة : إن الاصطفاء الوارد في القرآن الكريم هو بمعنى الاختيار لمهمة من المهمات ، وهذا لا يعنى التفضيل ، فان الاختيار للمهمّة شي والتفضيل شي آخر ، وقد تواترت النصوص المعتبرة بتفضيل الزهراء على مريم وهذا شي واضح .
( 2 ) آل عمران : 42 .