تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤

بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ( 1 ) وهنا علمت بلقيس إنّ هذا الذي يدعوها للدخول في طاعته وقبول رسالته هو نبيّ من أنبياء الله ، وهي وقومها لا طاقة لهم في مقابلة النبيّ ، فصمّمت على الارتحال إلى سليمان وقالت : ( إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمانَ للهِ ربِّ الْعَالَمِينَ ) ( 2 ) فاعترفت بالخطأ الذي كانت عليه وأقرّت بالإيمان بكلّ شجاعة . فالقرآن حينما يسجّل لنا هذه التجربة الإنسانية ، يريد أن يوضّح لنا موقفه من المرأة التي كانت حكيمة وعالمة ، وحيث لم يقابل هذه التجربة بالنقد والتجريح نفهم أن القرآن الكريم يُجيز للمرأة أن تكون قائدة لأُمّة إذا كانت عالمة وقادرة على قيادة هذه الأُمة بالتدبّر والتفكّر والحكمة والعلم . إلى هنا تبيّن لنا أنّ المرأة تتمكّن أن تواجه الضغط العائلي كما واجهته آسية زوجة فرعون في صمودها على إيمانها وعبادتها ، وتتمكّن أن تواجه الضغط الاجتماعي كذلك كما واجهته مريم بنت عمران وآمنت بالله وعبدته رغم انحراف مجتمعها عن الحقّ والعدل ، وتتمكّن أن تكون صاحبة عقل وفكر وحكمة وعلم كما في بلقيس . فالمرأة إذن يمكن أن تكون مثالاً للالتزام والتديّن بما تعتقد به ، ومثالاً للحكمة والعلم والسموّ العقلي ، فهي متكاملة وليست ناقصةً متدنيةً عن الرجال كما يريد أن يصوّرها لنا الآخرون . قد يقال : إنّ ما ذكره القرآن في قصة آسية زوجة فرعون ومريم بنت عمران وبلقيس ، لا يمكن أن يكون هو القاعدة وهو الفطرة في صنف النساء ، بل هذه النساء استثنيت من النساء نتيجة الاصطفاء الإلهي ، فلا يمكن أن يقاس عليها غيرها من النساء .

هامش
( 1 ) النمل : 36 - 37 .
( 2 ) النمل : 44 .