للتأسي والاقتداء ، وقد نظر القرآن لها بعين الرضى والقبول حيث لم يقابلها بالنقد والتجريح . فقد كانت حكمة بلقيس قد تجلّت في استشارتها لمجلسها الذي شكّلته من عدد أفراد القبائل التي كانت ساكنة باليمن ، وفي خضوعها للحقّ من دون مكابرة عندما بيّن لها أن الذي يدعوها للدخول في الدين الجديد هو نبي من أنبياء الله تعالى ، فقد قال تعالى على لسان بلقيس : ( قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ) ( 1 ) فهي الملكة والأمر أمرها ولكن لم تتخذ قراراً إلاّ بعد التشاور . وقد كان قرار المجلس يميل إلى الحرب إذ قالوا لها : ( نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْس شَدِيد ) ( 2 ) ، ولكنّها كانت تعلم ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ) ( 3 ) فاختارت أن تعرف نوايا صاحب الرسالة ( سليمان ) هل هو من الملوك الظلمة ، فإنّه سيفرح بهدية تهديها له هذه الملكة ويكفّ عنها ، وإن لم يكفّ فهم قادرون على مقابلته ، وإن كان هو من الأنبياء فسوف يردّ الهدية ، ولا يرضى إلاّ بدخولهم في طاعته ، والنبي لا طاقة للملكة في مقابلته ، ولذا صمّمت على إرسال الهدية له ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّة فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) ( 4 ) . ولكن عندما علمت أنّه لم يقبل الهدية حيث كان الجواب : ( فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَّ قِبَلَ لَهُم
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 273
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٢٧٣
هامش
( 1 ) النمل : 32 .
( 2 ) النمل : 33 .
( 3 ) النمل : 34 .
( 4 ) النمل : 35 .