وبمعنى آخر : إنّ الوظيفة العامة للبشر هو استمرار الينبوع البشري ليقوم بعبادة الله وإعمار الأرض ، وهذا يقتضي التناسل والتكاثر . والتناسل والتكاثر المتعارف المرغوب فيه - والذي يضمن استمرار البشرية في الكون - لا يكون عملية ذاتية لأيّ من الذكر والأُنثى ، بل هو نتيجة تفاعل وتكامل بين الذكر والأُنثى ، لذا هيّأ الله كلّ صنف لجانب من عملية التناسل لا يمكن أن يقوم به الصنف الآخر جسديّاً ونفسيّاً وعاطفيّاً . وهذه العملية الجنسية بين الذكر والأُنثى تقتضي الحمل ، ونمو الحمل والولادة بعد ذلك ، ثمّ بعدها الحضانة والتربية . كما أنّ النسل يحتاج إلى القوت والمأوى والكساء ، والإنسان يحصّن بها حياته من أخطار الطبيعة وآفات الجسد . وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون المهمة الأُولى من وظيفة الأُنثى ، وأن تكون المهمة الثانية من وظيفة الذكر . وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تُخلَق الأُنثى مؤهلة من الناحية النفسية والجسدية لما يناسب مهمة الحمل وما ينتج عنها ، وأن يخلق الذكر مؤهلاً من الناحية النفسية والجسدية لما يناسب مهمة العمل في الطبيعة والمجتمع . ومعلوم أنّ تقسيم العمل هذا يقتضي تنوّعاً في الوظائف الخاصة ، ولكن هذا التنوّع لم ينشأ عن أفضلية أحد الصنفين على الآخر . فوظيفة كلّ من الذكر والأُنثى عامل محايد بالنسبة للقيمة الإنسانية والأخلاقية لكلّ واحد من الصنفين ( 1 ) .
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 267
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٢٦٧
هامش
( 1 ) نعم ، الإسلام اعتمد معياراً لتشخيص الأفضلية والدونية ، وهو مدى التزام الإنسان بوظيفته العامة من خلال الالتزام بمقتضيات الوظيفة الخاصة ، وقد عبّر عن هذا الالتزام في نظام القيم الإسلامي بالتقوى ، وفي مصطلح الفقهاء بالعدالة .
كما اعتمد الإسلام معياراً آخر للتفاضل بين البشر ، ألا وهو العلم مع الإيمان ، فقد قال تعالى : ( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات ) المجادلة : 11 .
وقال تعالى : ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألبَابِ ) الزمر : 9 .
وهذان المعياران يمكن أن يحصل عليهما كلّ صنف من الذكر والأُنثى على حدّ سواء ، فالذكر يمكن أن يكون متقيّاً سائراً على وفق موازين الشرع في تحقيق وظائفه الخاصة والعامة ، وكذا المرأة على حدّ سواء ، كما أنّ الذكر والأُنثى يمكن لكلّ واحد منهما أن يحصل على العلم مع الإيمان الذي ينفع به نفسه وأُمته .