ولكن الفقه الوضعي أعطى حكم العهد الملزِم للوعد الذي هو اخبار عن انشاء معروف في المستقبل ، فان الوعد بالشراء أو الوعد بالبيع هو خبر عن انشاء معروف ( أو فعل ) في المستقبل ، وهذا الخبر لا يحمل معنى الالزام بحيث يوجِد حقّاً شخصياً للغير يجب العمل على وفقه .
أما في الفقه الإسلامي : فقد فرّق الفقهاء بين الوعد الابتدائي والعهد الملزِم ، فجعلوا الوعد الابتدائي غير ملزم ولكن يستحب الوفاء به ، بينما العهد هو الاتفاق المبرم بين الطرفين الذي يوجب الالتزام من كل واحد منها .
ومع هذا فإن الصورة الأولى المتقدمة التي هي عبارة عن الوعد بالبيع قد قررها الفقه الإسلامي عن طريق البيع مع جعل الخيار للمشتري ، فإن المشتري الذي أقدم على شراء السلعة بثمن معين قد لا تستمر عنده هذه الرغبة ، فيفسخ العقد الذي أبرمه سابقاً لمكان الخيار الذي جعل له لمدة معينة . وهذا أمر صحيح ; لأن العقد والعهد قد حصل بين الطرفين ولكن الخيار الذي جُعل للمشتري ، جعل العقد ملزِماً من ناحية البائع ، وجائزاً من ناحية المشتري لمكان الخيار ، فما لم تستمر الرغبة في العقد فيتمكن من فسخه . وبهذا أعطينا معنى الالزام للعقد ( العهد ) ولم نعطه للوعد الذي هو خلاف معناه اللغوي والعرفي ، وحصل مرام المشتري بكاملة .
وأما الصورة الثانية : فقد قررها الفقه الاسلامي بحصول البيع مع خيار للبائع في الفسخ إذا لم تستمر رغبته في البيع في مدة معينة ، فالبائع يريد الزام الطرف الآخر مع كونه مطلق العنان من ناحية الالزام لمدة معينة ، وهذا يحصل بإبرام العقد ( العهد ) فيكون العقد ملزِماً من ناحية المشتري ولكن العقد جائز من ناحية البائع لمكان الخيار فيما إذا لم تستمر رغبته لانجاز والتزام العقد ، وهذا أمر منسجم مع العقد الخياري لجانب البائع ، وقد حصل مرام البائع به .
أما الصورة الثالثة : فالحالة الأولى منها في الحقيقة ترجع إلى وجود الزام
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 130
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص١٣٠