الصلاة عليّ ثقّل الله ميزانه يوم تخفّ الموازين ، ومن تلا فيه آيةً من القرآن كان له مثل أجر مَنْ ختم القرآن في غيره من الشهور . أيها الناس ، إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة فاسألوا ربَّكم أن لا يغلقها عنكم ، وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم ، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلّطها عليكم . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : فقمت فقلت : « يا رسول الله ، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟ فقال : يا أبا الحسن ، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله » الحديث ( 1 ) . ومن هذه الخطبة يتّضح أن المقصود الأصلي من الصوم هو المقصود الأصلي من بقية مفردات الإسلام ، عبارة عن تقوى سلوك الفرد في الحياة الدنيا ، وذلك يتم بواسطة تصحيح علاقاته بين أفراد المجتمع من أُخوّة وتكافل وابتعاد عن الأمراض النفسية التي توجد الكراهة والتفرقة والاعتداء والظلم وربط الإنسان بشريعة السماء التي تدعو إلى الخير والإحسان والعدالة . وقد تبين من الخطبة أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد شوّق إلى هذا الشهر وقيّمه كمقدمة للاستعداد إليه ، وربط الفرد بالله سبحانه بواسطة دعاء الخير ، وحذّره من أهوال يوم القيامة ، ومن مفردة واحدة منها وهو الجوع لمناسبة الصوم في شهر رمضان ودعاه إلى التصدق على الفقراء والتحنن عليهم ، وتوقير الكبار ورحم الصغار وصلة الأرحام وحفظ اللسان من الحرام ( فإنَّ أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ) ( 2 ) . وحفظ النظر عن الحرام وحفظ الأذن من سماع الحرام
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 406
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٤٠٦
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 7 ، ب 18 من أبواب أحكام شهر رمضان ، ح 20 .
( 2 ) كان عبد الله بن مسعود على الصفا يلبّي ويقول : « يا لسان قل خيراً تغنم ، أو اصمت تسلم من قبل أن تندم » فقيل له : يا أبا عبد الرحمان ، هذا شيء تقوله أو سمعته ؟ قال له : بل سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه » .
وسئل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال : « تقوى الله وحُسنُ الخُلق ، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ قال : الأجوفان : ( الفم والفرج ) » .
وقال معاذ : قلت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أنؤاخذ بما نقول ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : « ثكلتك أُمك يا ابن جبل ! وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلاّ حصائدُ ألسنتهم » .
وقال أنس بن مالك : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه » .
روي أنّ معاذ بن جبل قال لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أوصني : قال : « أعبد الله كأنك تراه ، واعدد نفسك في الموتى ، وإن شئت أُنبئك بما هو أملك لك من هذا كلّه ، وأشار إلى لسانه » .
وعن الصادق ( عليه السلام ) : « إنّ اللسان ترجمان الضمير وصاحب خبر القلب ، وبه ينكشف ما في سرّ الباطن وعليه يحاسب الخلق يوم القيامة ، والكلام خمر يُسكر العقول ما كان منه لغير الله ، وليس شيء أحقَّ بطول السجن من اللسان » .
راجع هذه الأحاديث مع مصادرها في كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء 5 : 192 - 197 .