والأجر هو الذي يحدّ الإنسان العاقل من شهواته التي تجره إلى القبيح وترك الحسن إذا كان الجزاء محبوباً للإنسان أكثر من حبّه لشهواته وميوله ، ولهذا فقد أكّد القرآن الكريم على أهميّة الجزاء وكثرته ورغّب الإنسان فيه وأراد منه أن يحدّ من شهواته من أجل الجزاء الذي يحصل عليه ، وبهذا تكون قوانين الإسلام لوحدها ملبيةً للغرائز والميول بقدر واسع ، إذ تكشف عن أنّ اللذة والمنفعة هي في الحدّ من الشهوات للحصول على الجنة في الحياة الأُخرى .
وقد يقال - كما قد قيل - بأنّ أكثر الناس عقولُهم في عيونهم فما لم يشاهدوا لا يقتنعوا ، وهذا لا يؤثر في تربية الإسلام لأتباعه في تغيير مفهوم اللذة والألم ، حيث إنّ الجزاء الخلقي الذي هو عبارة عن ارتياح ضمير الإنسان عند فعل الحسن وعدم ارتياحه عند فعل القبيح ، والجزاء الطبيعي الذي هو عبارة عن الآثار التكوينية الدنيوية للأعمال الفاضلة والقبيحة ، والجزاء الاجتماعي الذي هو عبارة عن مدح المجتمع لمن يعمل الأعمال الصالحة ، وذمه لمن يعمل الأعمال القبيحة ، والجزاء الأُخروي الذي بشّر به القرآن والذي هو رضوان الله وجنته ، كلّ هذه الجزاءات المجتمعة هي نوع مشاهدة مقنعة للفرد المسلم في مفهوم اللذة والألم .
وبعد هذا نعود إلى موضوعنا وهو الصوم الذي قلنا : إنّه تشريع واحد لهذه النظرية التي ترى أنّ الإسلام أراد من المجتمع أن يبتعد عن الأمراض النفسية التي هي عبارة عن كل صفة رذيلة في الإنسان ، فشرّع الصوم للحدّ من هذه الشهوات وتهذيبها وجعلها في قبضة العقل ، يسيّرها بما هو صالح للمجتمع ، وصلاح المجتمع هو صلاح الفرد لما فيه من الجزاء الذي يحصل
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 381
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٣٨١