شرح
الاستظهار العرفي يدور بين ثلاثة أمور ، وهي السعة والاعتصام والطهارة
بعد زوال التغير فإذا كان التعليل راجعا إلى الحكم بالاعتصام تم الاستدلال
به على المطلوب ، وكذلك إذا كان راجعا إلى السعة . لأن السعة إذا كانت بمعنى
السعة في الحكم فتعليلها بالمادة هو بنفسه تعليل للاعتصام بالمادة وإذا كانت بمعنى
الكثرة فتكون دالة على ما هو المناط لاعتصام البئر ، ويكون التعليل بالمادة
موضحا أن المقصود بالسعة السعة المعنوية ، فيتعدى إلى سائر موارد السعة
المعنوية الناشئة من المادة . وأما إذا كان التعليل راجعا إلى حصول الطهارة بعد
ارتفاع التغير بالنزح ، فيكون دالا على مطهرية المادة ، ولا يبقى فيه دلالة
على أن المادة ملاك للاعتصام في نفسه ، ما لم تضم إلى ذلك عناية أن الدفع
أهون من الرفع وأن المطهر من النجاسة دافع لها على ما سوف يأتي في
الوجه الرابع إن شاء الله تعالى .
وحيث أن الحكم بالمطهرية أقرب إلى التعليل في سياق الرواية من الحكم
بالاعتصام ، فقد يقال : إن رجوع التعليل إلى المطهرية هو المتيقن بحسب
الظهور العرفي ، وأما رجوعه إلى الاعتصام : فإن كان بنحو يختص به فهو
خلاف الظاهر . وإن كان بنحو يشمله مع الحكم بالمطهرية فهو محتاج إلى
القرينة . فلا يكون في الرواية ظهور في رجوع التعليل إلى الحكم بالاعتصام .
وعلى هذا الأساس يتوقف تصحيح الوجه الثالث على إحدى دعويين :
إما دعوى استظهار رجوع التعليل إلى الحكم بالاعتصام ولو مستقلا ، لأن
صرف التعليل من المتأخر إلى المتقدم في السياق - وإن كان خلاف الظاهر
بطبعه - ولكن ذلك فيما إذا لم يستظهر كون المتقدم هو محور الكلام ومحط
النظر الرئيسي للمتكلم . وكون ما بعده ملحوظا في مقام الإفادة بنحو
التبعية ، وحيث أن الكلام في الرواية مسوق بصورة رئيسية لإفادة الاعتصام
فيكون ظاهرا في رجوع التعليل بالمادة إليه .