شرح
ومما يشهد لكون التنوين في كلمة ( ماء ) للتمكين لا للتنكير ، قوله
تعالى بعد تلك الجملة : ( لنحيي به بلدة ميتا ) ، فإن المراد من هذه
العبارة الامتنانية جنس البلدة لا بلدة واحدة ، وإلا لم تكن امتنانا على جميع
الناس . وبمقتضى قرينة وحدة السياق يظهر كون التنوين في
( ماء ) هو التمكين أيضا لا التنكير .
وهذا هو الجواب الصحيح عن الاشكال ، ولكن هنا نكتة توجب
ارتفاع موضوع أصل الاشكال وأجوبته ، بما فيها هذا الجواب الذي حققناه .
وبيان هذه النكتة هو : أن المتشكل والمجيب كأنهما اتفقا على أن
كلمة ( ماء ) في الآية الكريمة لو كانت مع اللام بدلا عن التنوين لتم
الاطلاق الشمولي لجميع المياه ، وإنما المانع عن ذلك هو التنوين ، فيتكلم في
مانعيته وعدمه .
ولكن التحقيق أن الاشكال الثابت في المقام أعمق من هذا ، بحيث يوجب
عدم تمامية الاطلاق ولو كانت كلمة ( ماء ) في الآية غير مبتلاة بالتنوين ،
وهو أن الحكم بالطهورية لم يسند في الآية الكريمة إلى الماء بنسبة تامة ، حتى يقال
بأن مقتضى الاطلاق أنه حكم على طبيعة الماء بلا قيد ، وإنما أسند إليه بنحو
التوصيف والنسبة الناقصة التحصيصية ، فلا يمكن إثبات عموم الحكم لتمام
أفراد الموصوف بالاطلاق ، ففرق كبيد بين أن نقول : ( الماء طهور )
وبين أن نحكم على الماء الطهور بأنه نازل من السماء مثلا . ففي الجملة الأولى
كانت الطهورية منسوبة إلى الماء بالنسبة التامة ، ويمكن حينئذ التمسك باطلاق
كلمة ( الماء ) لاثبات طهورية تمام أقسامه ، وأما في الجملة الثانية فقد
أخذت الطهورية قيدا للماء على نهج النسبة الناقصة لا حكما للماء على نهج
النسبة التامة ، فلا معنى للتمسك بالاطلاق لاثبات طهورية تمام أقسام المياه .
فالجملة الأولى من قبيل قولنا ( الغيبة محرمة ) ، والجملة الثانية من قبيل