شرح
ذيل الآية المستفاد من قوله تعالى : ( وإنا عن ذهاب به لقادرون ) يدل
على إرادة مطلق الماء لا خصوص ماء المطر ، لأن الذهاب بماء المطر وحده
لا يوجب بلاء ، لامكان اكتفاء الناس بسائر المياه . مدفوعة بأن إرادة ماء
المطر وحده كافية في صحة التهديد ، لأن لماء المطر آثارا عظيمة في حياة
الانسان ، وزراعته لا يمكن الحفاظ عليها بدونه . هذا مضافا إلى أن قرينة
التهديد لا توجب إثبات الاطلاق ، بل كون النازل من السماء مقدارا يصح
التهديد بذهابه ، وهذا لا يكفي لاثبات أن جميع المياه حتى ماء البحر مثلا
نازل من السماء ، لأننا إذا افترضنا أن المقصود بالماء المتوعد بذهابه هو
غير ماء البحر من بقية المياه مثلا لكفى ذلك في صدق التهديد ، فلا يمكن
جعل التهديد قرينة على الاطلاق .
على أننا يمكننا أن نفرض تبخير ماء وصيرورة البخار ماء ، فإن سلمنا
أن الماء الأول كان نازلا من السماء ، لا نسلم كون الماء المستحيل إليه البخار
عين الماء الأول ، بل يعد ماء جديدا وليس نازلا من السماء ، فلا يشمله
الاطلاق . ولهذا فإن نفس من يستدل بقوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء
ماء ) يعترف بأن الماء النجس يستحيل بالتبخير ويكون الماء الحاصل من
بحاره طاهرا .
الرابع : أن الطهورية المستفادة من الآية إنما هي ثابتة لماء المطر بما
هو ماء بقطع النظر عن مطريته وإنزاله من السماء ، فإنها جعلت صفة للماء
الذي جعل موضوعا للانزال ، فالانزال تعلق بالماء الطهور لا أن الطهورية
تعلقت بالماء النازل ، وهذا يعني أن الطهور ثابتة للماء في المرتبة السابقة على
الانزال ، وإذا ثبتت طهارته بما هو ماء ثبتت طهارة جميع المياه .
وفيه : أن هذا غاية ما يدل عليه أن الانزال من السماء ليس بما هو
إنزال ، دخيلا في موضوع الحكم بالطهورية ، ولكنه لا ينفي دخالة أمر آخر