٤٨٤ الجديد في النبي : ( المجلد الأول )
حيث كان بالمدينة غنياً موسراً ، ورويتم عن عائشة أنها قالت هاجر أبو بكر وعنده عشرة
آلاف درهم ، وقلتم إن الله تعالى أنزل فيه : وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَ ، في
أبي بكر ومسطح بن أثاثة ، فأين الفقر الذي زعمتم أنه أنفق حتى تخلل بالعباءة ! ورويتم أن الله
تعالى في سمائه ملائكة تخللوا بالعباءة وأن النبي رآهم ليلة الإسراء ، فسأل جبرائيل عنهم
فقال هؤلاء ملائكة تأسوا بأبي بكر بن أبي قحافة صديقك في الأرض ، فإنه سينفق عليك ماله ،
حتى يخلل عباءة في عنقه ! وأنتم أيضاً رويتم إن الله تعالى لما أنزل آية النجوى ، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
أمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً .. الآية . لم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب
وحده ، مع إقراركم بفقره وقلة ذات يده ، وأبو بكر في الحال التي ذكرنا من السعة أمسك عن
مناجاته ، فعاتب الله المؤمنين في ذلك فقال : أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ
تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهعَلَيْكُمْ ، فجعله سبحانه ذنباً يتوب عليهم منه ، وهو إمساكهم عن تقديم الصدقة ،
فكيف سخت نفسه بإنفاق أربعين ألفاً وأمسك عن مناجاة الرسول ، وإنما كان يحتاج فيها إلى
إخراج در همين .
وأما ما ذكر من كثره عياله ونفقته عليهم ، فليس في ذلك دليل على تفضيله ، لأن نفقته على
عياله واجبة ، مع أن أرباب السيرة ذكروا أنه لم يكن ينفق على أبيه شيئاً وانه كان أجيراً لابن
جدعان على مائدته يطرد عنها الذبان ) .
أقول : الصحيح أن النبي هاجر على ناقته العضباء المأمورة . واشترى من أبي بكر بعيراً
لدليله ابن أريقط ، ومات هذا البعير قبل أن يصل الى المدينة فاستأجر له النبي بعيراً ، وقد
وثقنا ذلك في السيرة النبوية .
