الجديد في النبي عليه الله ( المجلد الأول )
٤٠
الموقف الثالث : لما جاء اليه أشراف قريش يشكون النبي ، ويطالبون بتسليمه لهم : « فقالوا : .
يا أبا طالب ، أن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلل آباءنا ، فإما أن تكفّه
عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ! فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً وردهم رداً جميلاً ، فانصرفوا عنه .
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له : يا أبا طالب ، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة
فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا حتى تكفه
عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين . فبعث أبو طالب إلى رسول الله ﷺ فقال
له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليَّ وعلى نفسك ، ولا تحملني
من الأمر ما لا أطيق . فظن رسول الله أنه قد بدا لعمه فيه بَدَاء أنه خاذله ومُسَلَّمه ، وأنه
قد ضعف عن نصرته والقيام معه ، فقال رسول الله : يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في
يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ، ما تركته ! ثم
استعبر رسول الله فبكى ثم قام فناداه أبو طالب فقال : أقبل يا ابن أخي ، فأقبل عليه
رســول الله ﷺ فقال : إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيئ أبداً ثم أعلن
أبو طالب على الملأ كلمته المشهورة والله ما كذب ابن أخي قط .
و في شرح النهج ( ٥٦/١٤ ) : « قال ابن إسحاق : ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أباطالب قد أبي خذلان
رسول الله له و إجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة ،
فقالوا له : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ،
واتخذه ولداً فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق
جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل !
فقال لهم أبو طالب : والله لبئس ما تسومونني ! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني
تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبداً !
فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا
على التخلص مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً !
فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليَّ !
فاصنع ما بدا لك » .
