صحيفتا قريش الملعونتان ٢٤٣
مكرماً من غير أن يستخلف من بعده أحداً ، فجعل الإختيار إلى المسلمين ليختاروا لأنفسهم من
وثقوا برأيه ودينه ، وأن للمسلمين في رسول الله أسوة حسنة في ترك الإستخلاف فإنه لم يستخلف
على الناس أصلاً ، لئلا يجري ذلك في أهل ملة واحدة ، فيكون إرثاً لهم دون سائر المسلمين ، ولئلا
يكون دولة بين الأغنياء منهم ، ولئلا يقول الذي يستخلفه إن هذا الأمر باق في عقبه من ولد إلى
ولد إلى يوم القيمة . والذي يجب على المسلمين عند مضي كل خليفة أن يجمعوا أهل الصلاح
وذوي الرأي منهم ، ليتشاوروا في أمورهم ، فمن رأوه مستحقاً للخلافة بدينه وفضله ولوه
أمورهم ، وجعلوه القيم عليهم ، لأنه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة .
فإن ادعى أحد أن رسول الله استخلف رجلاً بعينه بحيث نصبه للناس باسمه ونسبه كان
كاذباً في دعواه ، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله ، وخالف إجماع المسلمين ، وإن
ادعى مدع أن خلافة رسول الله ل وراثة لأهل بيته ، فقد أبطل وأحــــال وخالف قول
رسول الله : نحن معاشر الأنبياء لا نورث فما تركناه صدقة ، وإن ادعى مدع أن الخلافة لاتصلح
إلا لرجل واحد من جميع الناس وأنها مقصورة فيه وإن قال قائل أن الخلافة تتلو النبوة فقد
كذب ، لأنه قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وإن ادعى مدع أنه يستحق بقرابته
من رسول الله فليس له ولا لولده ، وإن دنا من النبي نسبه لأن الله يقول وقوله القاضي على
كل أحد : إن أكرمكم عند الله أتقيكم . فمن رضي بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله فقد هدي
وعمل بالصواب ، ومن كره ذلك وخالف أمرهم فقد عاند جماعة المسلمين فليقتلوه فإن في
ذلك صلاح الأمة ، فإن رسول الله قد قال اجتماع لأمتي رحمة والفرقة عذاب ، ولا تجتمع أمتي
على ضلال أبداً ، وإن المسلمين يد واحدة على من سواهم ، وإنه لا يخرج من جماعة المسلمين إلا
مفارق معاند لهم مظاهر عليهم ، فقد أباح الله ورسوله ه ورسوله
دمه ، وأحل قتله .
وكتب سعيد بن العاص باتفاق من أثبت إسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرم سنة
عشر من الهجرة .
ثم دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح ، فوجه بها إلى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة
مدفونة ، إلى أن ولي عمر بن الخطاب فأخرجها .
وهي التي تمناها أمير المؤمنين الله لما توفي عمر فوقف به وهو مسجى بثوبه وقال : ما أحب
