۲۱۲ الجديد في النبي ( المجلد الأول )
لقد تحملوا ما لم تتحمله قبيلة على وجه الأرض في سبيل محمد وفي سبيل دينه ولولا
صبرهم وثباتهم لقتلت البطون رسول الله كما قتل غيره من الأنبياء وأجهضت دعوته في مهدها ،
ولكن الله أراد أن يظهر دينه ، وأن يتحمل البطن الهاشمي أعباء مرحلة التأسيس الحاسمة .
ثم أوحى الله تعالى لنبيه أنه أرسل حشرة أكلت صحيفة الحصار ولم تبق من كتابتها إلا
اسم الله ، وما إن انتهى جبريل من إلقاء تلك البشارة العظيمة حتى نهض رسول الله له فأخبر
عمه بتفاصيل خبر السماء ، وعلى إثر ذلك توجه النبي وأبو طالب والهاشميون جميعاً إلى مكة .
أقبلت قريش تريد الوقوف على حقيقة الأمر ، وهي تظن أبا طالب قد جاء ليعلن استسلامه
واستسلام بني هاشم ، ولكن أبا طالب طلب من زعماء الشرك أن يحضروا صحيفة الحصار ، فلما
فعلوا ذلك قال لهم : أليست هذه صحيفتكم على العهد الذي تركتوها فيه ؟ فقالت زعامة البطون :
نعم . فقال أبو طالب فهل أحدثتم فيها حدثاً ؟ فقالوا : اللهم لا . فقال لهم : لقد أعلمني محمد عن
ربه أن الله قد بعث الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقاً ما تصنعون ؟
فقالت زعامة البطون نكف ونمسك . فقال أبو طالب فإن كان كاذباً دفعته إليكم تقتلونه !
فقالوا : قد أنصفت وأجملت . وفُضَّت الصحيفة فإذا كل ما فيها قد محي إلا مواقع اسم الله عز
وجل ، وبهتت زعامة الشرك وأسلم على أثر هذه المعجزة عدد من الناس ، وأعلن أبوطالب أنه
على الدين الحق واهتزت شرعية الحصار والمقاطعة .
إن للهاشميين فضلاً على كل مسلم ومسلمة إلى يوم الدين فلولا موقفهم الحاسم المشرف
بقيادة أبي طالب ، لتمكنت بطون قريش من قتل محمد ولما قامت للإسلام قائمة !
و من المهازل أن تقوم السلطات التي سيطرت على مقاليد أمور المسلمين فيما بعد ، بتصوير
أبي طالب مشركاً وتنكر كفاحه وجهاد أبنائه ، وتفرض مسبتهم على المنابر ، ولا تقبل شهادة
من يواليهم ، وتلقي في أذهان العامة والغوغاء أن الهاشميين ماتوا بموت محمد ، وأنهم لم يخلقوا
للقيادة ، وإنها خلقوا ليكونوا أتباعاً الخلفاء بطون قريش ، وأن الخلافة حق خالص للبطون
مثلما كانت النبوة حقاً خالصاً للهاشميين ، وأن هذه القسمة القسمة العادلة ، وكأن البطون
هي
هي المخولة بتوزيع فضل الله تعالى ) .
